الروها ( الشيطان ) سيدة عالم الظلام / الجزء 3

                                                                                                          

 
 
بشميهون اد هيي ربي

 
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام 

 
كما جائت في ديانتنا المندائية وفي الديانات
الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة .
 أديان القسم الثاني:-
تحدثنا و بشكل مختصر عن مفهوم الشيطان أو الكائنات الشريرة و عالمها الظلامي في بعض الأديان القديمة , نرى أن هذا المفهوم أو هذه الصورة قد تغيرت و بشكل كامل و جذري مع مجئ الديانة اليهودية ليستمر هذا التغيير و يتبلور بشكل أكبر في الديانة المسيحية و أخيراً في الإسلام , و على الرغم من وجود العديد من الإشارات في العهد القديم إلى العفاريت و الشياطين و الأرواح الشريرة إلا أن الشيطان كان يتمتع بمنزلة خاصة و مكانة معروفة و محددة ككائن معين و محدد له شخصيته و مكانته التي لايضاهيها أصلاً غيره من العفاريت و الأرواح الشريرة. إن أهم التغييرات التي لحقت بالشيطان و صورته عن مثيلتها في الأديان القديمة هي :-
1- تحول الشيطان من مكانته كإله في الأديان القديمة إلى مجرد ملاك , أو كبير الملائكة في أحسن الأحوال و المقربين من الله , و الذي تم إسقاطه و إبعاده عن الحضرة الإلهية الربانية لسبب من الأسباب و هي غالباً ما تكون الكبرياء و الإعتزاز بالنفس و الخيلاء و الغرور ,: (إن افتخار الشيطان بجماله و حكمته التي أعطاها الله له هما السبب في سقوطه) (36) و كذلك القرآن الكريم ( و إذ قال ربك للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى و استكبر و كان من الكافرين) (37) , و أيضاً (ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين . قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين) (38) , إن حالة التغيير هذه من الألوهية التي كان عليها الشيطان إلى وضعيته الجديدة كملاك و مغضوب عليه أيضاً قد دعم الإتجاه التوحيدي بشكل قوي جداً , إذ لم يتبق أي نوع من التساوي في المكانة و النفوذ بين الله و بين الشيطان , إنما أصبح الله هو الإله الذي لا اله غيره و هو الخالق لكل شئ و الآمر لكل شئ , أما الشيطان فقد أصبح دوره في هذه الأديان الثلاثة دوراً هامشياً وليس له إلا أن يسير في دربه المرسوم له سابقاً , لقد ساد الإعتقاد في الفكر العبري القديم إن كل شئ يعود في خلقه إلى الله فالله معطي الحياة جميعها , يهوة هو الرب الأعلى و هو المصدرر الوحيد للخير و الشر , أو كما يذكر في سفر أيوب 38:8 و ما بعدها (... إن كل مصيبة تحل بالناس سواء بالأفراد أو الأمم يرسلها يهوة) , وكذلك : (فهو الذي يرسل من يريد إلى شيول ) (الجحيم) و ينتشلهم منها متى شاء (39) , وهو الذي أغوى الإنسان كي يختبر تقواه و مدى إخلاصه له و إستمراره في تعبده كما في حالة إبراهيم و أيوب (40) , وقد عبر أيوب عن هذه الحقيقة عندما قال (أنقبل الخير من عند الله و لا نقبل الشر) (41) , و كذلك في سفر أشعياء 244-24 نقرأ (من الذي دفع يعقوب إلى السلب و إسرائيل إلى الناهبين, ألم يكن الرب) , إن هذه السيطرة الكاملة لدى الرب بأفعال الخير أو الشر على حد سواء قد جعلت الباحثين في الأديان الحديثة يعطون رأيين أثنين حول علاقة الله بالشيطان , الأول يقول أن الشيطان ربما يكون هو الرب متنكراً و الثاني يقول أن الشيطان هو يد الله اليسرى المسيرة من قبله أو أن الشياطين هي مخلوقات ربانية غير كامله (42) .
2 - على الرغم من قدرة الشيطان في هذه الأديان على فعل الشر و إغواء البشر و دفعهم إلى عصيان الله ثم التهلكة , فإن هذه القدرة الخارقة في الحقيقة ما هي إلا مظهر يختبئ تحته شيئاً آخر تماماً و مخالف للواقع الذي يقول إن الشيطان لا يمتلك أي إرادة خاصة به على فعل الشر , إنما كل أفعاله يكون مصدرها أما أمراً مباشراً أو غير مباشر من الرب أو لضعف الإنسان أمام الإغراءات و الغواية , ففي المسيحية نرى أن الشيطان في الظاهر يمتلك قوة خارقة و يستطيع أن يفعل ما يشاء في هذا العالم , ففي إنجيل يوحنا 14-30 نقرأ (... الشيطان الآن هو أمير بل ورب هذا العالم الفاني على السواء) و يقول عنه بولس في رسالته الثانية إلى كورنثوس بأنه (إله هذا الدهر) كما أنه (رئيس سلطان الهواء) كما يقول عنه في رسالة أفسس و هو روح الضعف , الشرير , رئيس هذا العالم , التنين العظيم , الحية القديمة إضافة إلى العديد من الأخبار و الإشارات التي تتحدث لنا عن قوته الكبيرة و مدى قدرته و سلطانه على إتيان الشر , و لكن في حقيقة الأمر فإن الشيطان لا يستطيع أن يخطو خطوة واحدة دون أن يستأذن الرب في ذلك كما حدث في حالة طرد الشياطين من أحد الأشخاص و توسل هذه الشياطين إلى يسوع أن يأذن لها بالدخول في الخنازير , فأذن لهم (لوقا 8 : 26 - 34) أما في الإسلام فإن الشيطان لا يمتلك الإرادة الخاصة به أيضاً لفعل الشر و لكن هنا يأتي فعله كنتيجة مباشرة لضعف الإرادة الإنسانية أمام الشر و الغواية و الإغراء: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني و لوموا أنفسكم) بل و في آية أخرى نرى بوضوح الدور الهامشي للشيطان و حقيقة موقفه الضعيف , فالله يخاطبه بقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان).
 3 - لعل أهم التغييرات التي طرأت على شخصية الشيطان و مكانته و علاقته بالرب هي تحول الصراع بينه و بين الرب من حالة الصراع المباشر بين الأثنين إلى حالة الصراع غير المباشر , و هنا أصبح الإنسان و لأول مرة مركزاً رئيسياً لهذاالصراع و وسيلة الطرفين المتنازعين لتحقيق الإنتصار كل على حساب الطرف الآخر , وتحول الصراع وفق هذا المفهوم من عالمه العلوي الذي كان يجري فيه إلى عالمنا البشري مجسداً بالإنسان الذي بدأ يعتبر محوراً لساحة المعركة يدور حولها الشيطان و الرب على حد سواء , و نرى ذلك واضحاً و خصوصاً في الديانة الإسلامية عندما يطلب الشيطان من الرب إطلاق يده على إغواء البشر و إغرائهم على العصيان و الفسق كما يشاء , فأعطاه الله ما أراد حتى يوم الدين (43) : (... قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون . قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم .قال ربي أغويتني لأزينن لهم في الأرض و لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منه المخلصين ) (44) , . أصبح الإنسان هو الوسيلة و هو الهدف الذي يسعى الجانبان إلى كسبه و الصراع من أجله و من خلاله بنفس الوقت , و تحولت المعركة بين الله و بين الشيطان من رحلات و غزوات و معارك بين عالميهما و كائناتهما إلى معركة تدور داخل الإنسان باعتباره يمثل وجهان لعملة واحدة و هما الخير و الشر , النور و الظلام , الحق و الباطل و الفائز منهما هوالذي يجعل الإنسان يتخذ الوجهة التي يريدها , تماماً كما حدث في قصة أيوب و المعاناة التي واجهها هذا العبد الصالح الذي صمد حتى النهاية في اختياره لطريق النور و الإيمان فاندحر بذلك الشيطان مع هذا العبد و خسر معركة كان يمكن أن يفوز بها و لكن فقط لو شاء الله تعالى . و الملفت للنظر في الأمر أن الديانة المندائية و على خلاف بقية الأديان القديمة نراها تحمل نفس المفهوم عن الصراع بين الرب و الشيطان الموجود في الأديان الحديثة على الرغم من وجود المفهوم القديم عن طبيعة الصراع و ما هيته و كيف يجري في العوالم العلوية و التي لا دخل للأنسان فيها , و لكننا مع ذلك نجد الكثير من النصوص التي تتحدث عن المحاولات التي تجريها الروهة لكسب آدم إلى صفها و الإبتعاد به عن طريق الله القويم , مثلما يذكر أحد النصوص في كنزا ربا الأيمن 3 ص 107 , حيث تتكلم الروهة و ملائكة الكواكب حول آدم (46) (سنمسك آدم و ندخله في تجمعنا في تجمعنا سندخله , ونعلق قلبه و نجعله في قبضتنا و نصطاده عبر الأبواق و المزامير , حتى لا ينفصل عنا ) . كما نرى في النص التالي : (47 )
 4 - أصبحت و ظيفة الشيطان في هذه الأديان الثلاثة الأخيرة , وظيفة إختبارية تكتيكية فقط و ابتعد الشيطان بذلك عن ممارسة الشر كطبيعة موجودة فيه و مجبول عليها و انحصر دوره فقط في القيام بمهمة اختبار الإنسان و مهمة تضليله و غوايته ليس إلا , كما نرى ذلك في قصة أيوب أو قصة تجربته للمسيح و معرفة صلابة إيمانه أو في عملية التحدي التي جرت بين الله من جهة و بين الشيطان من جهة أخرى في الديانة الإسلامية , حول الإنسان و مدى صموده و صلابته في اختيار أحد الطريقين , طريق الحق أو الباطل , طريق الخير أو الشر , طريق النور أو الظلام.
انتهى الجزء الثالث
 منقول بتصرف
   عبد الرزاق شمخي
        الدنمارك
المصادر : 
 الربي رافد الرش امة عبدالله
سنان نافل عبد المجيد السعدون – اسماء الأعلام المندائية في كنزا ربا – اطروحة ماجستير – 1997-بغداد – ص64 36.
الكتاب المقدس – العهد القديم – حزقيال- ص 12-17 37.
القرآن الكريم – صورة البقرة-آية 30-34 38.
القرآن الكريم – صورة الأعراف – آية 10-17 39.
الكتاب المقدس – العهد القديم – سفر الملوك الأول -6, يونان -2 ,
مزامير-81 40.
د. سامي سعيد الأحمد ص59 41.
الكتاب المقدس – العهد القديم – سفر أيوب -2-10,9 42.
د. سامي سعيد الأحمد ص106 43.
المصدر السابق – ص 106 44.
القرآن الكريم – صورة الحجر – 28 – 40 45.
القرآن الكريم – صورة الأعراف – آية10-17 46.
كورت رودولف – ص176