الروها ( الشيطان ) سيدة عالم الظلام / الجزء 5

                                                                                                      

           الجزء الخامس

                                 بشميهون اد هيي ربي
( الشيطان ) الروها سيدة عالم الظلام في ديانتنا المندائية وفي الديانات الأخرى قديمها وحديثها ... دراسة وتحليل ومقارنة . الجزء الخامس يدرج بعض الدّارسين أعمال دراور في إطار توجّه ساع إلى الحفر في جينيالوجيا الدّين المسيحيّ، أي ضمن التيّار الاستشراقيّ المهتمّ بالنّظر في الصّابئة باعتبارها «الطّائفة المسيحيّة الأمّ»، ممّا قد يسهم في فهم جذور نشأة الدّيانة المسيحيّة ذاتها. ولئن سبق للدّمشقي «نقولا السّيوفي» الذي مر ذكره سابقاً , أن بحث في هذه المسألة منذ سنة 1880 من وجهة نظر وصفيّة ممّا يجعله بحقّ المرجع الأوّل من حيث الاهتمام بالمسألة الصّابئيّة في العصر الحديث. الخلق والنشوء في الديانة المندائية . في البدء كان «مِلْكَا زِيوا» (ملك الضّياء- م). ولمّا ظهر إلى الوجود، خلق خمسة كائنات من نور ومثيلاتها من ظلام، فأينما كان الشّكْلُ، وُجِدَت الأضداد: اليمينُ مقابل اليَسار، والشقّ الأيسر من كلّ شيء هو حصّة الظّلام ، وهو الأضعفُ. وكما كانت هناك خمس مخلوقات أُولى من نور، كانت هناك خمس مخلوقات من ظلام، وكانت أسماؤها: «أَكْرُونْ» (Akroun)(1) وهو سيّدهم، «أشدوم» (Ashdum)، «غافْ»(Gaf) وغافَانْ» (Gafan)، «هاج» (Hagh) و«ماج» (Magh) (2)، و«زَرْتاي زَرْتَانَا» (Zartai zartana)، وقد كانت «غافان» و«ماج» أنثيان تكمّلان سَيِّدَيْهِما. كما أوجدت الظّلمة الأسياد الثّلاثة لـ«السكَنْدُولا» (Skandola) (3)، وهم الذين خطّت أسماؤهم في المركب الذين يظهرون فيه على «السكَنْدُولا» إنّ «ملكا زيوا» هو أصل كلّ شيء، منه تنبع أشعّة النّور والحياة ويمدُّ بها الشّمس والكواكب من خلال أربعة ملائكة يسكنون نجمة الشّعرى العبور، وهم : -
«أَرْحُوم حيّ» و«زِيوْ حيّ» و«عين حيّ» و«شُوْم حيّ» أو «سَامْ حيّ» (4 )، ومن هؤلاء الأربعة جاءت قوّة «شامش» وحياتُه. يؤمِنُ المِندائيُّون بالخالق الأعظم هيي قدمايي وقد فَوَّضَ حُكْمَ العالم المادّي، وهو عالم اللاّحقيقة، وجميع ما يتعلّق بمخلوقاته إلى مساعديه (الملائكة) أي أرواح القوّة والنّقاء الّتي خلقت عندما لفظ القادر على كلّ شيء أسماءها. «مارا د ربوثا» ( 5 ) (Mara d Rabutha) ربّ العظمة، لكن «هيِبِلْ زِيوَا» هو الكائن الإلهي الأكثر اتّصالا بهذا العالم ، فهو خالق هذا العالم الأرضي المظلم المسمّى «أرا د تيوال» (Ara d Tiwel)، كما إنّه أيضا خالق عالم النّور المسمّى «مْشُونِي كُشْطَهْ» (Mshuni Kushta). فقد أحضر «هيِبِلْ زِيوَا» امرأة اسمها «رُوحيّا» (Ruhayya) أو "الرّوحا" من الأرض السّابعة من عالم الظّلمة السّفلي، وكانت حَامِلاً، وصعد بها إلى الأرض الأولى حيث تركها عائدا إلى «مْشوني كشطه» ليعلن ما قام به. وفي أثناء غياب «هيِبِلْ زِيوَا» الذي دام آلاف السّنين، أنجبت «رُوحيّا» مَسْخا ضخْما اسمه «اورْ». وما أن نزل من بطن أمّه حتّى سألها :- 
 «لماذا نحن وحدنا في هذا العالم ؟». فأجابته بأنّ والدهُ كان مَلاكا اسمه «أَشْدُوم» وأنّ له كثير من الأقارب من بين الملائكة. وقد كَانَ «اورْ» بالغ الضّخامة، فَصَاحَ صَيْحةً اهتزّت لها عوالم النُّور، وعندها نزل «هِيبل زيوا» مِنْ «مْشُوني كُشطه» ليجد أنّ «رُوحيّا» قد أعطت ابنها «عُورْ» منظارا يطالع مِن خلاله أقاربهُ في عالم النُّور. وبما أنّ «هيِبِلْ زِيوَا» كانَ يَلْبس قناعاً طلسَمِيًّا يخفيه عن الأنظار، فقد تمكّن من أخذ المنظار من «اورْ» دون أن يحسّ به، ثمّ قبض عليه وسَجنه أسفل «أرا د نَحَشَا» أي أرض النّحاس(6 )بحيث كانت العوالم الطّبيعية السّبعة فَوْقَهُ. وهناك لحقت به أمّه لتصير زوجته وتنجب منه سبعة أبناء أسكن «هِيبِل زيوَا» كلاّ منهم كوكبا. فالكواكب السّبعة من خلق الله، وفي كلّ منها روح، وهي تسمّى:-
 «شامش» (الشّمس)، «سين» (أو «سيرَا») (القمر)، «نِيرَغ» (المرّيخ)، «بِل» (المشتري)، «أَنْوُو» (عطارد)، «ليبات» (الزُّهَرة)، «كيوان» ؤزحل). ثمّ أنجبت في البطن الثانية البروج الفلكيّة. إنّ الكواكب هي التي تتحكّم في عالم الظّلمات هذا، فـ«نيرغ» هو الموكّل بالحرب، و«أَنْووُ» بالمعرفة والحكمة، و«ليبات» بالحبّ والإبداع. فالكواكب هي بمثابة المراكب الّتي يقودها المَلاَئِكُ. وفي قارب «شامش» رَايَةٌ يخرج منها نور الإله، لأنّها تعكِس أشعَّتَهُ كي تضيء العالم. هكذا نشأ عالم النّور وعالم الظُّلمة، عالم الحقيقة وعالم الباطل. ثمّ شقّ «بْثَاهِيل» بأمر من والده «هيِبل زيوا» السّماء وجعل الأرضَ رطبة وأجرى فيها العيون والأنهار وأرسى الجبال وخلق الأسماك والعصافير والأزهار وبذورها وجميع الحيوانات، من أجل «آدم» وذرّيته. ومثلما كان هناك «آدم بغرا» و«حوّاء بغرا»، كان أيضا «آدم كسيه» و«حوّاء كسيه» (آدم وحوّاء الخفيّان). هؤلاء وذريّتهم عمّروا عالم «مشوني كُشْطَهْ»، فقد أنجب «آدم» ستَّة أَبْنَاءٍ، ثلاثة أولاد وثلاث بنات. وكان اسم الأولاد الثلاثة: -
«آدم» و«شيثل» و«آنوش». تزوّج «آدم بن آدم» امرأة من عالم أولاد الظلام، من العالم الذي كان يسكنه «الشبياحي» (7 ) وهم أبناء السّواد والظّلام قبل خلق «آدم». ومن هذا القران جاء أبناء الظلام، أولئك البشر الذين ليسوا مندائيّين، لأنّ المندائيّين هم أبناء «آدم بغرا» و«حوّاء كسيه». أمّا ابنا «آدم» الآخران (شيتل وآنوش) فقد اتّبعا التّعليم الذي لقّنه «هيبل زيوا» لأبيهما، فقد علّم «هِيبِل زيوا» «آدم» أسرار الحياة وأعطاه الكتب المقدّسة، كما علّمه الفنون والزّراعة والكِتابة. الـ ( روها ) والكواكب من جانبهم طاردوا آدَم ، وأرادوا إغراءه من خلال فنونهم . لقد واجههم ( مندا إد هيي ) والـ ( أثري ) الثلاثة الطيبين ( هيبل ، شيتل و أنُش ) الذين دعاهم كمعاونين لآدَم وذريته بكل قوته وأحبطوا اعمالهم الشريرة. وبناء على نصيحة من الـ ( أثري ) الذين معه أقام مع هؤلاء عرسا لآدَم ومنح حواء زوجة له ليحيا بهما العالم وينمو . لقد تألم الشياطين الأشرار ولم يعجبهما ذلك ، فاخذت الـ ( روها ) والسبعة والاثنا عشر على إهداء الزوجين الملابس ، الذهب ، الخمر ، الورد ، وفعلوا بهما كل شيء دنيء لكي يغرونهما بالملذات ويجعلونهما عصاة خونه ، لكن ( مندا إد هيي ) والذين رافقوه أحبطوا خططهم وساعدوا آدَم على تكوين عائلته " . ولما أصبحت حواء حاملا أنجبت أولا ( هيبل ) و ( أنات هيي ) ، وعندما أصبحت حاملا ثانية ولدت ( أنن أنصاب ) و ( أنهار زيوا ) ، أما في حملها الثالث فقد ولدت ( بر هيي ) و ( دموث هيي ) عندما أخذ ( مندا إد هيي) يعلم آدَم وحواء طقوس العبادة على غرارالـ ( أثري ) في عالم النور، حاولت الـ ( روها ) وبطانتها مرة أخرى إفشال عمله . لقد اجتمعوا على جبل الـ ( كرمل ) وأعدوا خطتهم لإبعاد الرجل الغريب ( مندا إد هيي ). ولذلك حاولوا وبكل ما أوتوا من فن السحر وطقوس المكر التغرير بآدَم وعائلته . أساليب التغرير تم توزيعها على الكواكب السبعة ، وأضيف إليهم الاثنا عشر كحلقة مؤثرة . آدَم الذي كان نائما استيقظ على الطبيعة الصاخبة في العالم وصرخ طالبا المساعدة . وهنا ظهر بدلا عن ( مندا إد هيي ) ( هيبل زيوا ) الذي ظهر له ولعائلته وهدأه .
  
       عبد الرزاق شمخي
             الدنمارك
المصادر :-
1 - الليدي دراور
2 - الكنزبرا سلوان شاكر خماس
هوامش المترجمين:
1 - (أركون) أو «أكرون»: ورد هذا اللّفظ عند ابن النّديم في الفهرست، جمعها «أراكنة» وتعني الّشياطين.
2 - هذا ما يذكّر بـ«ياجُوج وماجوج» القرآن (الكهف، 94؛ الأنبياء، 96) و«جوج وماجوج» العهد القديم (في عدّة مواضع منها: حزقيال، 38:2).
3 - (السّكَنْدُولاَ) أو «السّكين دولة» كما ورد لدى نعيم بدوي وغضبان رومي في ترجمتهما لكتاب دراور هو شعار الصّابئة مصّور فيه نحلة وأسد وعقرب وأفعى، ولكلّ حيوان منها رمز يُستعمل في الطّقوس ويرتبط بأحد عناصر الطبيعة الأربعة.
4 - مارا اد ربوثا عند قيامه بعمل المسقثة كان بهداد الكائن النوراني الشاهد الاول على ذلك الطقس العظيم الاول الذي ساعد مارا اد ربوثا .
5 - أرحوم حيّ (حبّ الحياةعين حيّ (منبع الحياة زيو حيّ (مجد اللّه) ، شوم حيّ (اسم الحياة) أو سام حيّ (خلق الحياة).
6- أَرْضُ النّحاس: جاء في «ديوان أباثر» أَنَّ طبقات «عَالَمِ الظَّلام» سِتٌّ: «الأولى من نحاس، والثّانية من حديد وأخرى من قصدير، وأخرى من فولاذ، وأخرى من فضّة». ويُفسّر «الكنز ربّا» أَنَّ المقصود من الطّبقة الأولى هو الطّبقة السُّفْلى، ويرتّبها على التّوالي : نُحَاس، حديد، نحاس أصفر، فولاذ، ذهب، فضّة، تراب.
7- شبياحي (الجمع: شيبياحيا): مهما كان معنى الكلمة في الأصل فإنّ ليدزبارسكي يترجمها بلفظ «كواكب» مفترضا أنّها ذاتها عبارة «شبعه أحياء shaba ahia» أو الإخوة السّبعة وهي عبارة تُستعمل حاليّا لوصف ما يطلق عليه العرب اسم «الجنّ». وهناك من أخبرني أنّ الكلمة قد تكون مشتقّة من لفظ (شَبِيحَا) السّريانيّ وجمعه شبيحون (شبيحايَا) أي المُقَدَّسُونَ. وقد يعني ذلك الأرواح الطاهرة أو الحميدة، وربّما مع الاستعمال تطوّر المعنى ليصبح الأرواح في كلّ الحالات أي الطيّبة والشرّيرة على حدّ سواء. وقد وجدت في لُفَافَةٍ طويلة تمكّنت من حيازتها وهي في وصف الكون قبل خلق عالم الأرض: «ومن تلك المياه السّوداء تظهر أشياء سيّئة : منها تأتي آلافُ آلافِ الأسرار، وعشرة آلاف شبيحيا». وعادة ما يكون الشيبياحي قُوّةً هَدَّامةً تجلب معها الموت، لكنّ بيت الشيبياحي الذي يظهر للأطفال أو يبحث عن ملاذ عند البشر على شكل أرانب بيضاء، هو غالبا غير ضارّ بل وقد يكون طَيِّبا جاء في الكِنْزَارَبَّا: «كان الماء على السّطح والمياه السّوداء أسفله»، و«القار والزّيت هي جوفُ العالم السُّفلي». انظر:-
الكِنْزَاربّا، التّسبيح السّادس، الكتاب الثاني عشر.
8 - الصفحة 6 , 7 , 8 , 9 , 10 , 11 من كتاب الكنزا ربا ( م . أ )