التحديات المندائية / عبد الإله سباهي / الجزء 2

                                                                                                      

التحديات المندائية الحلقة الثانية الخوف من فقدان الهوية الخوف من فقدان الهوية شيء مشروع، وأظنه الهاجس الأول بين المندائيين اليوم. و نلمس ذلك الخوف بوضوح في أغلب الكتابات والنقاشات التي دارت ولا تزال تدور بين المندائيين على مختلف الكروبات. هل المسألة جديدة؟ وأين الجديد فيها؟ وكيف نعمل على إزالتها؟. مشكلة الفرقة المندائية وسعي بعضهم على بعض لم تكن جديدة ولكنها كانت موجودة ولو بحدود بسيطة عندما كنا نعيش في العراق، ولأسباب عدة منها داخلية أي فينا نحن المندائيون ومنها خارجة عنا نتيجة الضغط الحضاري والخوف من السلطان والطمع بعطاياه وسلفية الأديان وقلة الثقافة وغيرها. التبدل الحضاري هو الذي أجبر المندائيين على ترك تجمعاتهم في العمارة وقلعة صالح والناصرية وسوق الشيوخ وغيرها والتي كانت تحفظ لهم هويتهم وتشد أواصر القربى بينهم، فكان الشباب ينشئون هناك سوية وتكون الأواصر الأسرية متينة والتي لعب في لحمتها الشيوخ والخيرون من كبار المندائيين وكان دورهم دور الأب والراعي. تبدل كل شيء اليوم وليس في اليد حيلة. إنه تطور الحياة، ولا يمكننا الوقوف بوجه ذلك التطور ومن باب الأحلام التفكير بإعادة الزمن. الطقوس تبدلت أو تبدل جوهرها البهيج، والشيوخ تبدلوا في كل شيء حتى في لباسهم وأسمائهم والأهم في سلوكياتهم. سنترك الأحلام للحالمين ونحاول معالجة ما نحن فيه ونتتبع بداية الخيط الأقصر في البحث عن مصير طائفتنا وشبابنا خاصة، فالكبار رغم مشاكلهم (وعركاتهم) على الكروبات (مطعمّين) بجرعة حب المندائية منذ صغرهم فلا خوف من فقدانهم كمندائيين إلا ما ندر. (ضاع الخيط والعصفور): لا أعرف هل كل المندائيون هم نحن الذين عشنا في العراق وأهلنا في إيران فقط أم يوجد غيرنا في باقي بقاع الأرض؟ كنا نسمع من اللذين زاروا العالم قبلنا أن مجموعة من البشر في الهند تمارس ذات الطقوس التي نمارسها. ترى هل تعرض هؤلاء من قبل لما نتعرض له اليوم من ظلم المجتمع. والحاكم. وهاجروا مثلنا قبل مئات السنين واستمروا على مندائيتهم في ممارسة طقوسهم؟ ترى هل سيكون حالنا مثلهم بعد عشرات أو مئات من السنين؟ ماذا سيبقى من هويتنا وماذا سيبقى من ديننا وكل واحد منا في ديرة؟ لا أظن أنني أكثر منكم معرفة لأجيب على تلك الأسئلة، ولست حريصا أكثر من غيري على المندائية لأكتب أو أنظر، ولكنني كمتشائم أقترح فقط وأرى مستقبلا مظلما للهوية المندائية بظل الظروف التي نعيشها وبظل القيادات المدنية الحالية والدينية المتمسكة بسلفية قاتلة لذا أجدني مجبر على الكتابة. والآن إلى البداية: (ثلث الله وثلثين الطالب وثلث الله يطالب بيه طالب) في أواخر القرن الماضي ظهرت حركة العودة إلى العشائرية شجعها النظام السابق وانعكست تلك الحركة علينا وبحجج شتى وأهمها تشجيع النظام السابق لها ومحاولته غرسها بيننا بطرق شتى لا أخوض فيها هنا، منها طموحات البعض منا في إيجاد مراكز ترضي غرورهم المحدود في تقليد شيوخ العشائر. وهكذا لم ترتقي فكرة العائلات ومجالسها إلى مرتبة عشائر وشيوخ عشائر أو أفخاذ عشائر كون المندائيين لو جمعوا سوية لما شكلوا عشيرة واحدة فأصبح كل شيخ من شيوخنا الجدد يجمع له في الأكثر عشرة أشخاص خالين الأشغال ليصفقوا (للمحفوظ) فالقضية كلها مفتعلة ومرفوضة وخلفها ما خلفها. سابقا كنا نعرف أن للمندائيين ( كنياني )( عشائر أو عائلات) وكان ذلك في زمانهم الغابر.ربما كان تعدادنا يسمح بذلك في تلك الأزمان لذا ذكرت في كتبنا، أما جيلنا فلم يعرف أو يمارس مسألة العائلات ومجالسها إلا في السنين الأخيرة. إن تقسيم المندائيين إلى عائلات ثم تشكيل مجالس ورئاسات لها وكل عائلة تتحزب وتنحاز إلى منتسبيها يمثل المسمار الأول في نعش وحدة المندائيين فلنلغي وفورا تلك الممارسة الممقوتة. (ردناك عون طلعت فرعون): تشكلت في بلدان المهجر جمعيات مدنية حاولت جمع المندائيين والحفاظ على رابطة الدم بينهم. شكلها كبار السن من المندائيين في الغالب. حاولت تلك الجمعيات جاهدة في بداياتها وحسب ما تسمح به ثقافة قادتها وخبرتهم في نقل التجربة العراقية في شد الأواصر الأسرية عن طريق اللقاءات والتجمعات، ولكنها لم ترتقي إلى فهم صحيح للمرحلة التي يمر بها المندائيون وخاصة الشباب منهم. لم يشخصوا مشاكل الحياة الجديدة للشباب أو خطة عملية تساعدهم في حياتهم الجديدة مكتفين بنصائح وشعارات لم تتعدى حروفها غير مدركين التحول الذي جرى أو يجري تاركين الشباب يخوضون معركتهم لوحدهم في مجتمع مغري ولم يجدوا فيه بعد موطئا لقدم، لذا نجد الشباب تركوا تلك الجمعيات لمؤسسيها. في بداية تشكيل تلك الجمعيات كنت تحس بالحماس والشعور بالحاجة لها ولكن ومع الوقت برد ذلك الشعور وزاد في نفور المندائيين منها وخاصة بعد وصول عناصر غير كفوءة لقياداتها، والذين أهملوا الحاجات الأساسية لناسها. فغدت مؤتمراتها لا يكتمل نصابها إلا بشق الأنفس أو بالتحايل على أنظمتها مثل التمثيل بالوكالة أو غيرها. لا أنكر أن لتلك الجمعيات دورا في مراعاة مصالح الطائفة ولكنها ليست على قدر التحديات التي تواجهنا. ولكون بعض المندائيون هنا وجدوا أن منصب رئيس جمعية يمثل له قيمة معنوية أو إعتبار أكثر مما هو خدمة وإداء، راحت تتشكل جمعيات منافسة فأحدثت خرقا جديدا لوحدتنا التي ننشدها فتجد في البلد الواحد وربما في المدينة الواحدة أكثر من جمعية. ( أجه يخيطها فتككها): لم يرق الحال لرجال الدين بعد أن تلكأت بعض القيادات في السير بركابهم فأسسوا تنظيمات جديدة ولكن هذه المرة تحت اسم وراية دينية. راح البعض يطبل لهذه التجربة ويحارب من أجل مركزا يعلي شأنه فتشتت الجهود وضاع الحابل بالنابل فزادت من فرقتنا وخلافاتنا ولا أعرف إلى أين تنتهي تلك التنظيمات. حتى أن عددها سيدخلنا في مجموعة ككنس للأرقام القياسية والنتيجة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ وكلنا كما يقول المثل ( جوز معدود في جراب مشدود) فلماذا هذا الكم الهائل من التنظيمات ومن هو القائد ومن يقود من؟. ليس أمامنا إلا أن نوحد تلك القيادات فأعضاء الجمعيات هم ذاتهم وأصبح دورهم (يفاككون) المتخاصمين من القياديين! يجب على رجال الدين الكف من التدخل في المنظمات المدنية وأن لا يلعبوا دور ( عزيزة ) فيها فيكفيهم الدين وهمومه أما الدنيا بمشاكلها فهي نار أفضل لهم تجنبها إننا بحاجة أساسية لتدارس مناهج عمل تلك الجمعيات، و وضع رؤية جديدة لدورنا في مجتمعاتنا الحالية وكيفية الاندماج فيها وشغل مواقع تليق بنا. لنتخلى عن عنصريتنا ونظرتنا الدونية للغير، فلسنا بأحسن من غيرنا. وكفانا التبجح بإنسانيتنا التي لا نرى فيها إلا مصالحنا عند حاجتنا لها. وكلما سبقّنا في الاختلاط بالمجتمعات التي نعيش بينها كلما وجدنا مساحة أكثر للعيش بكرامة . على كل تنظيماتنا في الوقت الحاضر أن تكرس وقتها وجهدها في مساعدة اهلنا الذين تقطعت بهم السبل ومعرفة أماكن كل مندائي في هذه الدنيا وإقامة صلة وصل معهم. ووضع سجلات بكل المندائيين وتوفير طرق اتصال بينهم فوسائل الاتصال الحديثة باتت تسهل كل شيء. ( كثر ونيني سلمان وأعالج بحمادي) كلكم يعرف طبيعة العلاقة التي كانت تربط الأسر في العراق: الرجل يكدح طيلة النهار فيوفر الدخل الضروري لضمان حياة المرأة والأولاد. فكان هو في الغالب معين الأسرة وهو الذي يوفر لها الأمن والدراسة والعلاج وغيرها من متطلبات الحياة التي لم تكن تضمنها أو توفرها الدولة للفرد. والزوجة المسكينة تطبخ له وتنجب له وتوفر له الراحة والسعادة راضية بقدرها على مضض ربما. لقاء ذلك أو نتيجة لذلك ولتلك التربية الذكورية التي تسود المجتمع الذي كنا نعيش فيه، تسلط الرجل المندائي وأصبح دكتاتور الأسرة. فوقع الظلم على باقي أفراد الأسرة وخاصة الزوجة كونهم لا يملكون بدائل لما يقدمه الأب. هنا في ديار الهجرة حيث المجتمعات الحضارية التي توفر فيها الدولة للفرد كل حاجات الحياة الكريمة وتطبق المساواة المطلقة بين الذكور والإناث إن لم تنحاز للإناث. لم يعد الرجل المندائي يشغل ذلك الدور السابق ولكنه وبحكم العادة ظل متشبثا بتسلطه ولم يفطن إلى وضعه الجديد إلا ما ندر. وكانت ردود فعل المرأة مبالغ فيه أحيانا فالكثير من المندائيات فهمن تلك الحرية بشكل مغلوط. المرأة (الأجنبية)هنا تربت على الحرية منذ ولادتها ووظفتها في رسم مستقبلها بشكل رائع، فأخذت تعطي المجتمع أكثر من الرجل في بعض الأحيان. فماذا عملت المرأة المندائية لأسرتها وللمجتمع؟( لا أعمم هنا ولكن في الغالب) لم تعط بعد أي شيء لنفسها أو لأسرتها أو للمجتمع ولكنها تريد أن تتمتع بكل ما يعطيه المجتمع للأخريات وهذا حقها طبعا، ولكن وقبل أن تنسجم في الدور عليها أن تحافظ على أسرتها إلى أن تتعافى تلك الأسرة والزوج خاصة من تبعات الماضي. عليها أن تكون الممرضة المشرفة على نقاهة المريض لا أن تتركه وحده يدبر أمره ( يحتضر) فنحن (سدى ولحمة كما يقال). تجدني هنا كأي رجل لا يزال يطالب المرأة بأن تنهض هي بتلك المهمة الشاقة! ربما لأنني أرى في المرأة المندائية مخلوقا قادرا على الحب والعطاء أكثر منا نحن الرجال المندائيون.! لقد ساعدت تلك الحرية (والتي أنا لست ضدها طبعا) في فك الروابط الأسرية ووصل في بعض الأحيان إلى تفكيك تلك الأسر بالطلاق والعداء وربما المحاكم. كل ذلك انعكس وينعكس سلبا على الشباب المندائي. فالكثير من زيجاتهم المندائية فشلت بسبب دفع الأسرة شبابها للارتباط بشريك مندائي بغض النظر عن التكافؤ والحب الذي يجب أن يكون عماد أسرة ناجحة. لقد تحول الشباب إناث أو ذكور إلى جوازات سفر ( أي وسيلة للوصول إلى بلد آمن) وذلك بتحريض ودفع من الأسرة بحجة الحفاظ على المندائيين من الضياع والارتباط بشريك من دين آخر. وكانت النتيجة في الغالب كارثية على العلاقات الأسرية الشابة. حبذا لو نشجع العلاقات الحميمة الصادقة بين شبابنا عن طريق تسهيل فرص التعارف الحديثة ( مثل الفيس بك) أو غير أمامهم وإعطائهم فسحة من الحرية والمساوات بين الجنسين ليبنوا حياتهم. في الحلقات القادمة سأدخل المنطقة الحمراء. سوف أكتب عن الخلافات السياسية وعن الزواج من خارج المندائية وعن الدين وطقوسه ورجاله ربك (الساتر). عبد الإله سباهي 2010/8/24