التحديات المندائية / عبد الإله سباهي / الجزء 1

 

                                                                                                       

1 - التحديات المندائية المسألة رقم واحد
 كل المندائيين بمختلف أطيافهم ومستوياتهم الثقافية والدينية حريصون على بقاء المندائية وديمومتها. ولنقف جميعنا عند تلك النقطة بإصرار ونبرزها في كل نقاشاتنا وكتاباتنا. لقد أصبحت المندائية بالنسبة لنا أكثر من دين وإنما أصبحت هوية وانتساب وطريقة تواصل لمجموعة من البشر هم نحن. لذا يجب أن نحرص على تلك الرابطة. الدين علاقة بين الفرد وخالقه، فهناك من يطمع برضا الخالق وآخر يخشى عقابه وبالنتيجة المسألة تخص الفرد وحده ومن السخف المزايدة هنا أو التباهي أو الخلاف. أما كون الدين تحول إلى هوية نمتلكها جميعنا ونتمسك بها ونحرص على بقاءها فهو موضوع يهم الجميع والخوض فيه لا يخص فئة دون أخرى سواء كانت دينية( رجال دين) أو مثقفين يحرصون على تنظيف تلك الهوية وإبرازها بشكل حضاري. و كل فرد مندائي معنى بتلك الهوية ويريدها أن تظهر بشكل يتلاءم مع ذوقه وثقافته والأهم أن تكون جزأ من حضارة العالم المتمدن الذي نعيش فيه اليوم. لقد تشكلت تلك الهوية المندائية نتيجة فكر وإيمان وطقوس، وعيش مشترك وعوامل تاريخية عدة لا مجال للخوض فيه الآن، وهو موضوع بحاجة إلى دراسة أكاديمية جادة. والمندائية بمعناها الروحي هي فكر تؤمن به مجموعة من البشر وطقوس يمارسونا لإبراز ذلك الفكر الديني وشحذه. ولكوننا ومنذ مئات السنين ابتعدنا عن معرفة فكرنا الديني نتيجة الجهل وعدم حرص رجال الدين على تعليمنا الفكر المندائي ربما لجهلهم به مثلنا. فتحول ديننا إلى مجموعة من الطقوس تجرى حسب الظروف الاجتماعية والجغرافية والمناخية المحيطة واقتصر عليها وتجري أحيانا حسب اجتهاد رجل الدين ومعرفته الدينية وبذلك ارتبطت تلك الهوية بتلك الطقوس وتحولت هذه بدورها أيضا إلى هوية تجمعنا شئنا أم أبينا. ولكي نحافظ على الهوية المندائية دعونا نحدد قبل كل شيء خلافاتنا ونناقشها بنفس هادئ بعيدا عن الانفعال والتشنج والمزايدة ونعود لاحقا إلى المكون الأساسي لهويتنا أعني الطقوس. إنني أشخص هنا عدة عوامل تهدد هويتنا. أما طريقة معالجتها فتظل موضع خلاف ونقاش بيننا ولكي نقلص الخلاف بيننا وتكون نقاشتنا هادفة، علينا مناقشة نقاط الخلاف كل على حدة واحدة بعد أخرى وحسب أهميتها، وحتما هناك من يضيف أو يحذف لأننا لا نناقش هنا بديهيات مسلم بها أي واحد زائد واحد يساوي اثنان وإنما وجهات نظر تختلف من فرد لآخر! لنبدأ أولا بالمهم من مشاكلنا وهو الناحية الاجتماعية: لقد تعرضت المندائية والمندائيون ومنذ النشأة الأولى إلى قمع واضطهاد ومحاولات القضاء عليها فكرا ومكونا. كون المندائية فكر متنور مخالف لباقي الديانات وأكثر تقدما منها. يقول تاريخنا ( الغير مثبت بشكل علمي وخاصة بداياته) بأن المندائيين كانوا يتركون ديارهم في كل مرة يتعرضون فيها لحملات الإبادة من قبل أتباع الأديان الأقوى عددا. وبعد أن استقر المندائيون في المناطق الجنوبية من أرض العراق، أخذوا يبشرون بدينهم ويمارسون طقوسهم بحرية ، فدونوا هناك أهم كتبهم المقدسة وأخذوا يعيشون في بحبوحة تحت ظل الحكم البارثي . الانقلاب الأكثر تأثيرا في حياتهم هو وصول الجيش الإسلامي لتلك المناطق وممارساته القسرية اللاحقة في نشر الإسلام. تقول لنا كتب التاريخ" إن المسلمين في بداية دخولهم العراق ظلوا متسامحين مع الديانات الأخرى التي كانت تعيش هناك حتى أنهم كانوا يشعرون أي المسلمون بأنهم أجانب منتصرون لا أهل وطن. لذلك كانت الحاجة تجبرهم إلى المعيشة المشتركة مع السكان الأصليين مع كل ما في التسامح من وفاق. وهذا الوفاق قد أوجد تسامحا دينيا، ومظهره نشوء علم مقارنة الأديان، أي دراسة الملل والنحل على اختلافها والإقبال عليها بشغف عظيم". فرض الإسلام بعد ذلك نظاما يمنع فيه تغيير الأديان إلا إذا كان دخولا في الإسلام. فأصبحت الطوائف منفصلة بعضها عن بعضها تماما. ولم يكن ثمة تزاوج بين المسلمين وغير المسلمين. فالقانون المسيحي مثلا لم يكن يجيز للمرأة المسيحية من الزواج بمسلم لئلا تنتقل هي وأولادها إلى الدين الإسلامي. ولم يكن مسموح للرجل النصراني أن يتزوج بامرأة من غير طائفته إلا رجاء إدخالها هي وأطفالها في النصرانية. أما زواج الملي من مسلمة فكان ذلك مستحيلا. لقد وضع قادة الدولة الجديدة( المسلمين) نظاما يضمن لأهل الذمة كياناتها الخاصة. منعت تلك القوانين اليهودي أن يعتنق المسيحية وبالعكس وكذلك باقي الملل ومنها نحن حتما. حتى المواريث كانت تذهب في البداية إلى بيت المال من الملي الذي لم يترك وريثا إلى أن أصدر الخليفة المقتدر العباسي في سنة 311- 923 م كتابا يقول فيه: ( ترد تركة من مات من أهل الذمة ولم يخلف وارثا على أهل ملته). وقد صدر منشور في أواسط القرن الرابع الهجري كتاب إلى الصابئة بجانب صيانتهم وحراستهم والذب عن حريمهم ورفع الظلم عنهم ، التخلية بينهم وبين مواريثهم. يستنتج من ذلك أن حياتنا قد قيدت بقوانين منذ تلك الفترة وتبعها تقيدات أخرى حتى في المظهر والمركب وغيرها. وبقينا طيلة الألف عام مقيدين بإرادة قادة الدولة ودينها الرسمي الإسلام. أما كيف بقينا كل تلك السنين رغم حملات الإبادة التي كانت تجبر بعضنا على اعتناق الإسلام فكانت بفضل انغلاقنا على ديننا وبفضل مهاراتنا الفكرية والحرفية والتي كان ليس من السهل للآخرين الاستغناء عنها. لقد مورست مثلا كل الوسائل لإجبار أبي إسحاق الصابي وسنان بن ثابت وغيرهم من مشاهير الحضارة الإسلامية في ترك الدين الصابئي ولكن دون جدوى. عشنا في العصر الحديث في عراق ما بعد الحكم العثماني ببعض التسامح الديني الرسمي فشغلنا ذلك عن حذرنا وخاصة في الفترة الأخيرة من القرن الماضي فانكشفنا دون حساب للمستقبل. والآن وبعد أن وصلت الأحزاب الإسلامية للسلطة راحت تسعى لأسلمه المجتمع ونحن المندائييون الحلقة الأضعف في مكونات الشعب العراقي فسلطت علينا ضغوط لم نكن ندركها ولا نستطيع دفعها لذا ترى المندائيين بين قتيل ومشرد ومجبر على التخلي عن هويته المندائية. أما التصريحات والإدعاءات الكاذبة في وحدة الأديان والطوائف وإعطاء المندائيين منصب هنا ومنصب هناك ( مكرمات) فما هي إلا دعاية حكومية لغرض تبييض الوجه الكالح لتلك الأحزاب الرجعية. صحيح إن غالبيتنا قد هجرت العراق قبل تسلط الأحزاب الإسلامية عليه ولكن الدافع الأساسي لهجرتنا كان سياسيا. كون السلطة الدكتاتورية في عهد البعث بطشت بكل ناشد للحرية. والمندائي بفطرته صاحب رأي وينشد المعرفة ولا يرضى بغير ما يقتنع به ولا يسكت عن الحق. أما الآن وبعد وصول الأحزاب الإسلامية، أصبحت الهجرة مسألة حياة أو موت أو تخلي عن الهوية. إنني أرى أن لا مستقبل قريب لأهلنا المندائيين للعيش في العراق مع هذا الهوس الديني في أسلمة مرافق الحياة هناك. الوطن ليس صخرة ندور حولها أو نقدسها، الوطن هو مكان نستطيع العيش فيه بكرامة وأمان وحرية. ولكن ليس في اليد حيلة وكما قال أبو إسحاق الصابي: لهف نفسي على المقام ببغداد وشربي من كوز ماء بثلج أرى أن نعمل الآن وبكل الوسائل على إيجاد مكان آمن لكل مندائي يعيش في عراق اليوم ( لتكن لهم مدن خضر أو مناطق خضراء) في أي مكان ولكن بعيدة عن الإبادة التي يتعرضون لها كل يوم. الالآف من أهلنا يعيشون اليوم في دول الانتظار تحت ضغوط جبارة وظروف عيش لا تحتمل بانتظار الفرج. منهم من قضى على تلك الحالة ما يقارب السبع سنين وهو في هذه المحنة. المندائيون هناك يتعرضون كل يوم لصنوف من الضغوط والإغراءات لتبديل دينهم أو لتبديل عاداتهم وأخلاقهم وحتى أسمائهم. المهمة الأساسية اليوم على كل مندائي هي إنقاذ هؤلاء وبكافة الطرق وأسهلها طبعا المساعدات المادية. لقد لعبت المنظمات المندائية على اختلافها وعلى رأسها اتحاد الجمعيات المندائية ولجانه في المهجر دورا كبيرا لمساعدة أهلنا في دول الانتظار ويجب دعم تلك الجهود اليوم بكل قوة. خلافنا اليوم هي جدولة التحديات التي تواجهنا. بمعنى بماذا يجب أن نبدأ به فالخلافات كثيرة في قضايانا المندائية وأصر هنا على أن معاناة المندائيين في العراق ودول الإنتظار هي الأهم وتمثل الرقم الأول في عملنا. إنني ألمس اليوم أن هناك خلط في أولويات عملنا، فتثار بين الفينة والأخرى أمور تؤثر سلبا على قضايانا الأكثر إلحاحا مثل البيانات الغير مبررة لرجال الدين أو زعزعة الثقة بالتشكيلات المندائية القائدة، فتلك تفرق الجهود وتقبر المبادرات الفردية والتي هي طوعية بالأساس. أرى اليوم حملة جاهلة غير مسئولة في محاربة اتحاد الجمعيات المندائية من قبل بعض المندائيين، وأظنهم لا يقدرون حراجة ظروف المندائيين اليوم. أقول حملة غير مسئولة كون واجبنا الأساسي اليوم هو حشد كل القوى للمهمة النبيلة في إنقاذ أهلنا. أما الخلاف على القيادات فتلك مصيبة ثانوية، وقد تكون لها دوافع مختلفة ولا اشكك بإخلاص الجميع هنا وكذلك لا أريد الخوض في الدوافع .ولكن الخلاف في هذا الوقت الحرج يكشف النوايا والأهداف. وفي النتيجة المندائية هي الخاسرة. لقد رأينا جمعيات يحاربونها ويقضى عليها بسبب المصالح الشخصية الضيقة لفلان من المندائيين أن لغيره. لقد أسست عشرات التنظيمات المرادفة بسم الدين والعائلة وبشكل مفتعل مما فرق وحدة المندائيين بدلا عن توحيدهم وأضربالنتيجة بالمصلحة العليا للمندائيين لذا أدعو لدعم التنظيمات الموجودة فعلا وعلى رأسها اتحاد الجمعيات المندائية مهما تكن قيادته وعدم السعي لتشكيل تنظيمات جديدة. إنني أقترح حل بديلا لهذا التنافس والتطاحن على هذا المنصب أو ذاك هو أن يعمل الجميع سوية، وأقترح على اتحاد الجمعيات أن يدعوا كل مخالفيه إلى اجتماع يزيل الفرقة معهم أو يضمهم لقيادته ويعمل معهم سوية وتكليفهم بالمسائل الأساسية وتأجيل الخلاف إلى ما بعد زوال الشدة. أقترح أن تكون كل نشاطاتنا المادية اليوم مكرسة لمساعدة أهلنا وتأجيل كافة المشاريع الأخرى رغم مشروعيتها وأهميتها لمستقبل المندائية. مثل الحفلات والمؤتمرات والمنادي وغيرها. أقترح أن تشكل في كل منظمة مندائية سواء كانت اجتماعية أو دينية أو نسوية لجان خاصة لهذا الغرض والاستفادة القصوى من الجهود الشخصية والحرص الشديد على شفافية العمل وخاصة المادي. طلب المساعدة من كل المنظمات الدولية المختصة في هذا المجال وكذلك أصدقاء المندائية في دعم المندائيين بمحنتهم هذه وفي كل المجالات. لندرس جميعنا هذه المسألة بشكل جدي وعملي هادئ كي نصل إلى وحدة قوية بين المندائيين يسودها الثقة بالتنظيمات القائدة ثم ننتقل إلى غيرها من التحديات التي تواجه هويتنا وديننا بصفاء ومحبة. القضية الملحة الثانية التي بحاجة إلى نقاش جدي والتي ستكون موضوعي القدم، هي تسرب الشباب وارتباطهم بزيجات من خارجنا والموقف الغير أبالي تجاههم. وقد بدأ النقاش فيها فعلا برسالة الأستاذ نزار ياسر والدكتور قيس مغشغش وكتابات سابقة.
عبد الإله سباهي
20 /8/2010