الكراص او العيد الكبير وعيد شوشيان / د.غسان صباح النصار

                                                                                                        

 

 

الكــراص أوالعــيد الكبير وعيد شوشيان ذكرى تجلّي الخليقة الأرضية
مع غروبِ شمس اليوم الاخير من السنة المندائية تبدأُ مراسيم الإجتماع العائلي ، لنحتفلَ ونعيد ذكرى الخليق الارضية . قرابة ال(36ساعة) تتجتمعُ خلالها العائلة المندائية وتتباركُ بقراءة الأدعية والتسابيح المندائية في كتبنا المقدسة، ويقومُ المندائي بالقيام بتخزين المياه وكل الأطعمة والمشروبات في داخل منزله، ولا يختلط بالمحيط الخارجي و لا يمسْ اليردنا خلال الكراص. ويمثل الكراص (الكرصة) عيد رأس السنة المندائية.
وهناك فكرتين لتفسير الكراص:
الاولى تعود الى تصليب الارض وتهيأتها لبداية الحياة الارضية بأمر الحي العظيم ، بعدما كانت مياه آسنة وجزءاً من عالم الظلام .وهنا يحاول الملاك ابثاهيل المُكلّفُ بهذه العملية ان يقوم بها، ولكنه يعجزعن تصليب الارض فيصعد للسماء ليطلب من أبيه أباثر العظيم المساعدة فيُمنَحُ السر من عوالم النور، وبالنداءات الثلاثة التي وهبها اياه الحي العظيم يعودُ ويطلقُ النداءات: 
النداء الاول بصيحتين:
في الاولى :تتكثف المياه (وهنا هو اليوم الاول من الكرصة والذي يبدأُ مع غروب الشمس) والذي مازال الماء فيه آسنا ولا يسمح لنا بلمسه.
وفي الثانية :
تصيرُ اليابسة ،وهنا يكون اليوم الاول من عمرالارض اي (1/1)، وهو اليوم الثاني من الكرصة، ولا يُسمح لنا أن نمسَّ الماءَ لأن المياه الجارية لم تتدفق بعد، حيث تتدفق المياه الجارية بالنداء الثاني للملاك أبثاهيل ،مباركٌ إسمه.
النداء الثاني :
تترقرق المياه في الأرض (تيبل)،أو إن نسبة اليردنا التي باركت المياه الأرضية قد أكتملتْ ،لذلك يكون اليوم الثاني من السنة المندائية هو يوم الخروج من الكراص وملامسة الماء الجاري ،لأن قبل ذلك كان الماء آسنا ولا يجب لمسهُ. وطبعا عملية التطهير هذه صاحبها هيجان أو طرد المخلوقات المظلمة التي كانت تستوطن المياه الأسنة (وكما تنص عليه بوثة قشش المباركة).
وبالنداء الثالث :
تُخلق الحياة والاطياب والأطيار. وبعدها يقع ابثاهيل تحت وسوسة ابناء الظلام وينادي بنداءات اربعة اخرى بتأثير الظلام وينتج النقص ، وهذا هو تفسير ايام المبطلات التي تواكب هذه المناسبة حيث تتعاظم قدرة الظلام ومخلوقاته في هذه الايام ،حتى يشتدُ خطرُ الظلام في اليومين السادس والسابع ليكونان يومين مبطلين ثقيلين. (راجع كنزاربّا- اليمين طبعة بغداد ص 290/ تسبيح الخلق).
اما الفكرة الثانية وهي الارجح :
إنّ الكرصة تعودة لحادثة خلق آدم ،وهنا يلتفُّ عالمُ الظلام ومخلوقاتهِ على ابثاهيل ويقنعه بالاشتراك معه في خلق آدم ، فيوافق ابثاهيل ثم يعجزُ من إتمام المهمة ولا ينتصب آدم على قدميه كما الحيُّ شاء، فيصعدُ أبثاهيل للسماء ويُعطى النفس(النيشمثا) ملفوفة بالنور ومحروسة من قبل ملائكين حارسين ويعودُ بها للأرض، وحين تحين الساعة ان تدخل النيشمثا (النفس) في الجسد المطروح يأخذها الملاك العظيم مندادهيي بيده العظيمة ويرميها في الجسد ليتمّ خلق آدم وينتصب واقفاً على قدميه. ((حين آقام بثاهيل آدمَ على قدميه ، كنتُ أنا (مندادهيي) من أنهضه.. ولحظة وضعَ يدهُ عليه، أنا الذي جعلتهُ يتنفسُ الحياة)) كنزا رّبّا والنفسُ هي النفحة التي جاءتْ من مخزنِ الأسرار في عوالم النور السامية لتمثل الفكر والعقل وتُحرّك فيه الروح . وممكن ان تكون هذه العملية قد بدأتْ مع غروب اليوم بعد ان سبقتها مراسيم وطقوس خاصة وإستعدادات في النهار، وهذا قد يكون هذا تفسيرا لطقوس الكنشي وزهلي التي تقامُ صبيحة اليوم الاول للكرصة إستعداد لبداية الكراص مساءاً (وهنا يبدأ اليوم الاول من الكرصة). وفي صبيحة اليوم التالي يكتملُ خلق آدم ، وهنا يكون اليوم الاول من عمر الإنسان والبشرية وحساب الزمن ، أي(1/1) رأس السنة المندائية، ويعتبر هذا اليوم كرصة ايضاً ولايسمح لنا ان نمسَّ الماء حتى اليوم الثاني( 2/1 ) ، لأن الرسول (مندادهيي) يترك آدم لحظة تكوينه ليعرج الى السماء وليصاحب (إدكاس زيوا) والذي يُعد الأب الروحي أو السر الخفي للنيشمثا التي هبطتْ للجسد المُسجّى لتحرره من علتهِ الوخيمة ، وهنا يبقى آدم محاصرا(طيلة 36 ساعة) وحيداً تحت وطئة الظلام والخوف من المخلوقات الشريرة التي كانت تريد أن تجزأ النيشمثا ، وحينها يعود الملاك المبارك (مندادهيي) في اليوم الثاني من السنة المندائية ليطرد الظلام عن آدم (دون أن يتجلى له ) ، وهنا يستطيع آدم من الخروج من حصار الظلام ، لذا فأن قدوم مندادهيي للأنسان هو فرحة العيد التي تنتظرها النيشمثا الانسانية في اليوم الثاني من السنة الجديدة . أما عدم جواز مس الماء فأن هناك نص يمكننا أن نتأمل فيه لنجد منه إشارة أو تفسير ، فأن النص يتحدث إدكاس زيوا وكيف رجع الى موطنه وقد باركته الحياة العظمى وكيف يوكلُ الملاك مندادهيي، مباركٌ إسمهُ ، ملائكة المياه الجارية حراسا له (أي بعد أكتمال خلق آدم بغرا) ، وكما قلنا فأن سر النيشمثا سيبقى مرتبطاً بآدم كسيا ، فلذلك لايمكن لنفوسنا في الأرض أن تمسُّ الماء قبل ذلك – وهذا تفسير عدم ملامسة الماء الجاري قبل اليوم الثاني من السنة. (( وأمتلأت عظامهُ بالمخ. ونطقتْ فيه إشعاعيةُ الحيّ ..ففتحَ عينيهِ. عندها عرَجَ إدكاس زيوا الى موطنهِ ... وأوكلتُ بهِ ملائكة المياه الجارية)) كنزا ربّا . وبعد خلق ادم يرجع مندادهيي(م.أ)- اي في اليوم الثاني من السنة المندائية، ليجد الشر والظلام يحاصران النيشمثا المسكينة الوحيدة (وهذا هو تفسير المبطلات المُزامنة لهذه الايام), وتعاني النفس بعد نزولها من علياء عوالم النور للجسد الطين، وهذا ما ترويه لنا نصوص كنزا ربّا المباركة. ولكنه حين يرجع لتيبل حاملاً حراسته وبشائر العيد ، يدحر الظلام ويضرب الروها والتي تنكفئ على وجهها مدحورة، ولكن آدم مازال يشعر بالوحدة والقلق من المخلوقات الناقصة والمتوحشة وهواجس وسيطرة السبعة والأثني عشر، وتزدادُ معاناة آدم ووحدتهُ في يومي السادس والسابع من السنة المندائية، ولا سيما إن ديوان ترسر وألف شيالة يشير الى إن عوالم الظلام تحتفل في هذه الايام (المبطلة الثقيلة) بميلاد سيد الظلام أور، فيشتدُّ بأس الظلام والأشرار على آدم حتى يأتيه العون مع لقائه الأول بالملاك المخلّص (مندادهيي) مرة اخرى في ليلة 6-7 /1 ليساعدَ آدم ويهبَهُ المندائية (المعرفة) ، لتكون هي الحراسة التي يحتاجها الأنسان ليدحر الظلام عنه ، فالدراسة والتعلم والبحث عن الطريق لعالم الأنوار ، كان هو المندائية ، وكان مندادهيي ، تبارك أسمه- حريصاً أن يهبَها لآدم بنفسهِ ، كما أدخل النيشمثا بيده الكريمة الى جسدِ آدم ، وهنا يبدأُ تعليمُ آدم وهبوط الكنز الالهي العظيم (المعرفة) لتكون سلاحاً لآدم وبنيه، وأول كلمات النور كانت إفتتاحية الكنزا ربّا المبارك اذ يخاطب آدم بالمعرفة بادئاً بتعريف رأس المعرفة، الحي العظيم ، فيقول: بسم الحيّ العظيم (هو الحيُّ العظيم، البصيرُ القديرُ العليم، العزيزُ الحكيم، هو الأزلي القديم، الغريبُ عن اكوان النور) كنزا ربّا وممكن ان أتجرأ هنا اكثر واقول إنّه يوم بداية نزول تعاليم كتابنا المبارك كنزا ربّا ، سلاحاً وخلاصاً ورحمة للعالم الجديد، وهذا هو تفسيرعيد شوشيان (عيد إحداث التغيير) . وإن وضع إكليل الغرب في عيد شوشيان (ليلة 6-7 مندائي) هو إشارة لقدوم المعرفة والمتمثلة برسول الحي مندادهيي (تباركَ إسمه) ، فالأكليل دوما يرمز الى مندادهيي ( ولذلك تجدنا نضع الأكليل تحت عمائمنا في الصباغة ، دلالة على تتويج المصطبغ بالمعرفة (المندائية) التي يرفعها على رأسه).. فأكليل الغرب هنا يرمز الى تقبلنا وإيماننا بالمندائية وإعلاناً للقادم مندادهيي (والذي رحل الى عالمه النوراني بعد أن علّم آدم المندائية ووعد بأنه سيكون قريبا دوما من أبنائه) بأننا من حصته، لذا فجازَ لنا أن نسمي هذه الليلة المباركة (عيد شوشيان 6-7) بعيد قدوم المعرفة ، والمعرفة الأولى هي (كنزا ربّا) المُبارك، لذلك يسمي البعض هذه الليلة بليلة القدرالمندائية (تأثراً بالمجتمع المحيط)، وهي ليلة مباركة يقضيها المندائيون حتى الصباح بقراءة الأدعية والتسابيح المباركة ،لأنه يوم تلبية الدعاء وقبول الرجاء لكل قلبٍ وضمير وفكر طاهر. وتنتهي المبطلات بجلاء المعرفة كاملة لآدم فيندحرُ الظلام بأكتمال التعاليم وسيادة العقل، وهنا تكتمل المبطلات ، ليبدأ يومٌ جديد وعصرٌ جديد وحياةٌ جديدة . راجع النص في كنزاربّا/اليمين- طبعة بغداد ص70. لذا فإن الفكرتين او التفسيرين السابقين يتفقان على كون العيد الكبير( دهوا ربّا) هو ذكرى تجلّي الخليقة الأرضية وإزدهارالحياة الدنيا، وهذا ما ترمز له (الطرايين) التي تمثل رموز وطيبات الحياة . وأخيرا إنهي تفسيري المتواضع والمُستند الى كتاب المعرفة (كنزا ربّا) بما تنتهي به أغلب نصوصنا المندائية: (( طوبى للرجل (مندادهيي) الذي مرّ عابراً الى هنا )) كلُّ عامٍ مندائي وأنتم بخير وثباتٍ في الإيمان والمعرفة.
خادم الكوشطا
د.غسّان صباح النصّار
30 طابيت 2015 يوهاني