في سايكولوجية الطقس الديني المندائي / الدكتور قيس مغشغش السعدي

                                                                                                                  

 

في سايكولوجية الطقس الديني المندائي 

 

الدين ظاهرة راقية وبالغة التعـقيد فى حياة الشعوب والأمم، إختص بها الإنسان دون سواه من الكائنات الأخرى، ذلك أنه خُلق قائدا لما فى الكون، ولا ينقاد الأ بالدين. وهكذا يأتي المعنى اللغوي لكلمة (دين) بما يشير الى الطاعة والانقياد والانصياع، أما المعنى العام فهو خلوص السريرة للخالق. ولكي تخلص هذه السريرة لابد من مخاطبتها وتوجيهها والتأثير فيها عقلا وروحأ. من هنا نجد أن الدراسة الأكاديمية للدين تحدد مكوناته بثلاثة: (المعتقد، الطقوس، والأساطير). وهذه المكونات الثلاثة تعمل منجدلة لا منفصلة، بمعنى أنها مترابطة فيما بينها ويكمل أحدها الآخر فيتأثر ويؤثر به. فالمعتقد رغم أهميته الا ّ أنه لا يشكل لوحده ديناً، بل يبقى بحدود الفلسفة. والطقوس أيضأ لا تشكل لوحدها دينأ، بل إنها بدون المكونين الآخرين تبقى مجرد ممارسات تعبيرية قد تدخل في باب الشعوذة والسحر. وأما الأساطير فهي الأدبيات التى تعزز المكونين الآخرين وتثبتهما بما يديم التأثير، وإن إنفصلت لوحدها أصبحت خرافات.
يخاطب المعتقد العقل ويعتمل الذهن ليُشكل الفكر الذي يؤسس وينظم علاقة المخلوق بالخالق، ولذلك نجد أنه كلما إرتقى الإنسان علماً تأكدت هذه العلاقة (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وما أشد ما يتحسب اليوم علماء الكون لوجود الله. وعالمنا المندائى المعاصر عبد الجبار عبد الله مثالا ً على ذلك، فقد زاده علمه حرصأ على مندائيته عقيدة وطقوسا تقربا الى الله. لكن المعتقد يبقى بإطار فكر الأفراد والجماعات، ولكي يظهر تأثيره لابد أن يتحول الى سلوك وفعل. وبقدر ما يكون هذا السلوك مؤشرا ً لشدة التأثر بالمعتقد فإنه يصبح مصدرأ لتحقيق الارتياح واللذة الروحية، فتتفرغ شحنة المعتقد بممارسة الطقس الذي يقوم بدوره بتغذية المعتقد فيدوم ويعمل على الإقدام لتأدية الطقس مرة أخرى.. وهكذا.
وللتوضيح نقول:
شدة التأثر بالمعتقد تبحث عن وسيلة ظهور بشكل سلوك ممارسة (صلا ة، تعميد، صوم..) فتحقق درجة من الرضا والراحة تؤدي الى تركيز المعتقد وتعميق الإيمان به والسعي للمشاركة الجماعية بما يولد نزوع دائم الى تكرار القيام بالسلوك ((تشّكل الطقس)). وباستمرار هذه العلاقة التبادلية يغدو السلوك طقسأ والطقس إظهار للمعتقد.

هذا ما حصل تماما ً لسيدنا آدم (ع) حينما خـُلق. حيث وقف وقال كما جاء بكتاب الكنزا ربا المقدس: ((أنا ملك بلا نظير، أنا سيد كل الدنيا)). وحين رأى الكون وما فيه قال: ((لقد علمت الآن بوجود من هو أعظم مني وها أنذا أصلي وأدعو أن أقتدي به وأن أتخذه رفيقا)). فقد أدرك آدم (ع) وعلم بوجود الله الخالق، ولكن ذلك لم يكف، فكان أن برز هول ما علم بشكل سلوك تمثل بالإنكفاء على الوجه وتأدية ما يمكن أن يطلق عليه صلاة وحين تكررت صارت طقسا ً.

والطقس هو الحالة المميزة لسلوك تعبيري متكرر يرتبط بالمعتقد، يأخذ شكلا ً ثابتآ في الأداء توخيأ لتحقيق التأثير المطلوب، بل ولأغراض هذا التأثير توضع له مراسيم وشعائر، وقد يحاط بهالات قدسية لكي يكون التأثير أشد.
وفي كل الأحوال يأمر الدين بضرورة إقران فكر المعتقد بأسلوب الممارسة ((السلوك الطقسي)) مع ديمومة مقصودة كما فى الصلاة الشخصية (البراخا والرشاما)، بل واستغل مناسبات واقعة وأضفى عليها معان مناسبة لتمارس فيها الطقوس تكريمأ لها ولقيمتها من جهة وتعزيزا ً للمعتقد وطقوسه من جهة أخرى. أبرز ذلك حالات ثلاث هى: الولادة، الزواج، الوفاة. كما صنعت الأديان مناسبات أخرى تتمثل فى الأعياد، والتي باستمرار ممارساتها الطقسية والاجتماعية وما تحققه من راحة، تصبح شيئا ً ينتظر، بل وحاجة نفسية يسعى الفرد لإشباعها. فالذي إعتاد الصلاة يتحسس حاجتها وتنبهه الساعة البايولوجية فى جسمه لمواقيتها. هكذا يتلهف العديد من المندائيين لمقدم (البرونايا) و (دهفا إد يمانه) لأن المعتقد المندائي يشير الى أن التعميد فى أيامها أكثر قدسية، ناهيك عن عمل اللوفاني وإجرإءات الملابس الدينية، وكلها

راحة للأحياء وذكر وتآزز مع المتوفين.

((الراحة النفسية في طعامك حتى أنك تصنع وتأكل له ما كان يحب أيضآ)). كلتا الحالتين: أن تضع وردة على قبر من تحب أو أن تعمل له (اللوفانى) وتحس أنه يشاركك 

وطالما أن الطقس سلوك، فإنه يمكن اكتسابه نتيجة تكرار حدوثه وبإجراءات تجعل تأثيراته النفسية محببة ومرغوبة، وذلك مدعاة لأن يُقدم الفرد على أدائها مرات أخرى خلال عمره. ولأن بذرها في الطفولة أمر مطلوب ، فإنه يوصى

بالتعميد فى الأشهر الأولى للرضيع ((بنصف دارة))، كما يحبذ أن يكون الطفل (شكندا).

لو سئل فتيان وفتيات اليوم الذين شاركوا بمهرجان تعميد الطفل المندائى الأول ببغداد1993 وما أعقبه عن الذكريات التى يحملونها ونوازعهم نحو تكرار ذلك، رغم انهم لم يفقهوا القراءات الدينية المصاحبة، فإني أقف على جوابهم بسلوك فتى مندائي شاهدته (يلبس دشداشته البيضاء ويعتم ويطمش في أحد أنهار أقصى شمال أوروبا في وقت وصلت درجة الحرارة فيه الى سبعة تحت الصفر). وبالمقابل أستذكر ما ذكره أحدهم لى مرة وكان محبوسأ ، انه كان يتلوع لأنه لا يستطيع أن يقرأ أي دعاء مندائي يخفف روعه ويطمئن نفسه ويصبّرها، حتى يعلم فى يوم الغد أن قرار العفو الذي صدر

يشمل حالته أم لا!!

إذن تكتسب الطقوس الدينية أهميتها لأنها تخاطب الروح، بل وتخرج منها فى العواطف والانفعالات، وقد استفيد من تأثيراتها ليس فى الجانب الديني وحسب، بل فى إجراءات شعبية ورسمية على مستوى الدول والقوميات. فنحن نرى مراسيم رفع العلم وقراءة النشيد الوطني ووضع أكاليل الزهور وما يشابهها، لها من التأثير ما يحفز النفوس ويزيد الحماسة للمشاركة بل والتضحية بالنفس أحيانأ. وهكذا أنشأت كل ديانة نظامها الطقسي الذي تحرك به وجدان تابعيها طالما أن جميع معتقدات الأديان تلتقي في الإيمان بالخالق وباليوم الآخر والقيام بصالح العمل.. تماما مثلما تتشابه جميع أعلام الدول من حيث الحجم ومادة الصنع وطريقة رفعها، إلا أن ما يميزها هو رمزها وألوانها التى تؤسس على أنها تشير الى خصوصية الشعب ودولته ويكون فى حرق هذا العلم دون ذاك بمثابة إهانة يعلن من اجلها الحرب أحيانأ.
ولكي نحدث التأثير المطلوب للطقوس الدينية لابد أن نبنيها على وفق الجوانب التالية:
1- إن السلوك الممارس في الطقوس لابد أن يؤدي الى راحة نفسية وذلك من خلال مشاعر الفرح المقترنة به،

وطقوسنا المندائية مفعمة بذلك.

2 - الصفة العلانية لهذه الطقوس والتى تشبع حاجة النفس للتعبير عن إعتمالات الذهن، وهو ما اعتمدته المندائية بجميع طقوسها.
3 - الصفة الجماعية التى تجعل المشاركة الوجدانية الجماعية محفزا للتكرار بما يوفر فرصا ً لرؤية تأثيرات المشاعر

المتبادلة، فتزيد السرور والبهجة والرضا وكل ذلك يؤدي الى الرغبة فى تكرار الممارسة.

4 - الصفة الدورية، أي ممارسة الطقوس الدينية بتوقيتات معلومة ومحددة لتركز قيمة المعتقد من جهة، وتوفير

مناسبات تنتظر لإجراء هذه الطقوس من جهة أخرى.

5- التوجه نحو الطفولة وفترة الفتوة، فذكريات الطفولة أكثر رسوخا وأحب الى النفس فتكون محفزا دائما ً. كما أن مرحلة الفتوة تتميز سايكولوجيا بنوازع دينية تكون بأشد حالاتها حيث ينتاب الأفراد فيها توجهات نحو الخلق والخالق والكون ومدبراته.

واليوم، وبحكم التقدم العلمي الهائل وما نتج عنه من تطور حضاري اهتزت له المعتقدات الدينية والفكرية والفلسفية، تتوجه الأديان بشكل أكبر نحو الطقوس/ أدوات الروح. وللتدليل يمكن الإشارة الى هذا الإصرار على زيارة عتبات مقدسة، وما يوفر لمرسم الحج والعمرة والتوجه الإعلامي في شهر رمضان للمسلمين، وحرص الكنيسة الكاثوليكية على مراسم جولات البابا واحتفالات أعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية التي غدت تظاهرة عالمية،وطقوس البوذين التي أصبحت تجتذب السياح...والمندائيون طالما مارسوا وتباهوا بتعميدهم الذي مازال يشكل خصوصية ظاهرة خاصة إرتباطه

بأرقى ممارسة طقسية تمثلت بتعميد يهيا يهانا يوحنا المعمدان للسيد المسيح.

بقي أن نقول أن لكل طقس أدواته التى تخدمه وهى استثمار لما هو متوافر وليست تعجيزا ً، فإن أجهدنا أنفسنا في توفير الأدوات فذلك مؤشر للحرص، وإن لم نستطع ذلك فيجب أن لا يكون التبسيط والتسهيل مؤديا الى السذاجة فى الإجراءات لأن ذلك سيفقد التأثير المعنوي والقدسي لتلك الطقوس، ومن ثم عدم احترامها وتركها. فبقدر الحرص على توفير أرقى بدلتين للعروسين حبذا لو حرصنا على توفير (( رستتين )) أيضا ً. ومثلما ننظر الى (البيض الملون) حبذا لو وفرنا (( الطريانه)). وبدل أن نحتار في الخاتمين بحجرين أحمر وأزرق أثناء مراسم قطع المهر لنعمل على أن يكون هذين الخاتمين ضمن نيشان الخطيبة تحفظهما للزواج وذكرى الزواج وقد تورثهما للأبناء والأحفاد بعد أن يبقيا أحلى ذكرى لأقدس طقس في الحياة حسب وصايا العقيدة المندائية.

إن الدعوة الى الحفاظ على المندائية لا يكون بمجرد المناداة بل بالكيفية، خاصة وأن المندائية بأتباعها يصارعون اليوم عوامل تهديد شديدة ومتعددة. وأكثر الجوانب المرتبطة بالكيفية هي اللغة التي تؤشر الخصوصية والإنتماء، والطقس الديني بما له من تأثير وجداني نزوعي مع السعي لتيسير طقوسنا الدينية، وذلك يعني:

1- الحرص التام على إجراء الطقوس الدينية دون حياء من هذه أو تلك ((فلا حياء في الدين)) وتوجيه الأجيال فى ذلك

من خلال الآباء كقدوة، فالدين مصنوع فى النفوس لا مطبوع فيها.

2 - العمل على إيصال متطلبات إجراء هذه الطقوس الى كل بيت مندائى والبحث في سبل توفير الإمكانات لذلك وليس

أقل من أن تهدي الجمعيات المندائية صورة الدرابشا لكل أسرة رمزأ لمندائيتها.

3. توجيه مدروس للإعلام المندائي بما يخدم ويعزز ذلك وتشجيع كتابة القصص والذكريات وإبراز الأساطير التي تحرك

الوجدان المندائي وتبنيه.

4- إبراز المناسبات الدينية وإجراءاتها التراثية الفلكلورية والدفاع عنها لكونها مناسبات أقل ما تحققه هو اللقاء

والاجتماع والفرح والمسرة مع السعي لتحقيق ذلك فعلا.

 5- تشجيع الممارسات الدينية الجماعية التى تبعد التحسس من ((تخلف الطقوس))، بل تبرز أصالتها من جهة وتوفير

جو إجتماعى خلاق يبقى تأثيره طويلا لتكرار الممارسة من جهة أخرى.

6- التوجيه والتثقيف نحو إمكانية إقامة الطقوس الدينية الشخصية مثل البراخا والرشاما وإقامة اللوفانى وإجراءات

النحر.. الخ، وهى لا تتطلب وجود رجل دين بالضرورة.

7- إقامة المخيمات المندائية والحرص الدائم على اقامة الاحتفاليات فى المناسبات الدينية وتعزيز ما انبثق، مثل مهرجان

تعميد الطفل المندائى ولا بأس للشباب والمرأة، والعمل على توفير مناخات إجتماعية محببة.


ان ما ساعد على بقاء المندائية حينما انبثقت بعدها معتقدات توحيدية مثلها، هو طقوسها الدينية التي كانت تمارس فى ظروف أشد وأصعب، لأنها تأصلت في النفوس وغدت تصارع من أجل الظهور والإستمرار. فلا غرو أن تستمر هذه الطقوس سبيلا لبقائها، بل وسبيلا ملحا ً الآن لتحفيز الإنشداد نحو العقيدة المندائية.

 

 الدكتور قيس مغشغش السعدي