الفرونايي وفلسفة التجليات في نشوء الخلق / اسامة قيس مغشغش

                                                                                                          

 

الفرونايي وفلسفة التجليات في نشوء الخلق
الفرونايي هي أيام الخلق عند المندائيين. والخلق في فكر النشوء المندائي هو ما كان مكنونا في ثمر، فأثمر، فصار الكون .
 ذلك ما تشير له قصة الخلق المندائية في كتاب الگنزا ربا:
 كد هوا فيرا بگو فيرا، حيث كان الثمر داخل الثمر . حيث كانت الثمر داخل الثمر. والثمر هنا اولى منابع الخلق في القصة المندائية ، حيث يرد من بعده ذكر الأثير ( اير) وغيرها من رمزيات التكوين
1 - معنى الكلمة في اللغة المندائية 
لم يتفق الباحثون ولا حتى المندائيون انفسهم على اصل واشتقاق كلمة فرونايي. فمنهم من ترجمها على انها " الأيام البيض" استنادا الى كلمة فروان او پروان كما يلفظها البعض ، وهو اسم جبل ذو منزلة روحية عند المندائيين : فروان طورا هيوارا بمعنى فروان/ پروان الجبل الأبيض
ويشير بعض الباحثين الى ان الكلمة مشتقة من " پروان" ، ظرف زمان في اللغة الفارسية بمعنى " قبل
واخر الاشارات هو الاسم السومري لنهر الفرات "پراون " وما ذهب اليه البعض في ان تسمية المناسبة مقترن بطقوس الصباغة في نهر الفرات التي تقام في ذكراها "
ان اغلب هذه الاشتقاقات مستمدة من افكار بـُنيت لاحقا وأضفيت على هذه المناسبة. فالتراث المندائي يصف هذه المناسبة على انها الايام البيضاء التي لا يداخلها النقص وليس فيها سيطرة للشر على المخلوقات. والتعميد هو طقس ديني ملازم لهذه الايام وهو ليس سببها لكي تكون على اسمه ودوره يكمن في ابقاء شعور الطهارة والنقاء التي تتسم به هذه الايام عند مدركات المندائيين. أما دخول الفارسية فهذا امر يطول فيه النقاش
، وذلك لعدم استبيان مصادر التداخل الحقيقية وقدمها كلمة فرونايي مشتقة من الفعل المندائي : فرا ، بمعنى: أثمر، أحدث ، يصنع، يتكثر. والفعل فراهو فعل ثلاثي ناقص وهو الذي يكون في اخره حرف علة مثل
وقد تكون كلمة فرونايي هي الصفة الاسمية للفعل المندائي فرا مصروفة نحويا في صيغة الجمع ، كما هو الحال في بعض اشتقاقات الافعال الناقصة مثل : ربا ( كبر ، عـَظُم ) ومنه ربواتا ، بمعنى العظمة أو الكِبَر. كذلك في فعل برا (خَلق) ومنه بارواتا ، بمعنى الخلق. أو قد تكون نهاية الكلمة بـ " نا " هي دلالة تصريف الكلمة على انها صفة اسمية وليست مصدر اسمي. وانا هنا لا أجزم في شئ وانما اترك علوم النحو لمن هو
مقتدر على ذلك اما عن اللفظ ، فقد كثرت الاختلافات فيمن يلفظ الكلمة على انها فرونايا او برونايا او پرونايا بالفتح والكسر. والحقيقة ان الكلمة ـ كما اشرت انفا ًـ مصروفة نحويا ً بصيغة الجمع. ويكون بذلك لفظها :
فـَروَنايي او پـَروَنايي اما عن فرق الـ "ف" عن الـ " پ" فهو عائد الى ما يسمى بقواعد التليين وهي التي يشير لها الباحث الالماني نولدكة في مقدمة كتابه عن قواعد اللغة المندائية على انها دخيلة على اللغة المندائية
ان اشتقاق معنى التسمية من الفعل المندائي فرا هو اقرب للفكرة الدينية في موضوع الخلق. فاننا نجد دائما ذكر الفيرا على انها اعلى ينبوع التكوين
" بهاناتا فيرا هون منه الف الف فيرا اد لا ساخا "، گنزا ربا يمين
ومن ذلك الثمر صارت الاف مؤلفة من الثمرات التي لا نهاية لها 
من قاله وملاله فرون هون كوفني، كتاب الانياني ، بوثة قشيش
" من صوته وكلمته كانت قد نمت الكرمات "
 
2 - القيمة الفلسفية في الفرونايي 
في هذا الطرح سنتوقف عند فكرة مستحدثة توفق بين الفلسفة والدين وهي فكرة التجليات. تمثل فكرة التلجليات نوعا متقدما من الفكر الديني المرتبط بالفلسفة، فهي تمثل الحل الوسط بين فكرة تكوين الخلق ونشؤه عن الذات العليا (الفيض) ، وبين استمرار تأثير الذات العليا في الخلق وهو الذي يتنافى مع فكرة الفيض
الفيض عن الواحد ( الذات العليا ) عند مدارس الفلسفة الافلوطينية والافلوطينية المحدثة هو تصور فيض أو صدور الموجودات عن الواحد وذلك بوساطة سلسلة من الفيوضات التي يسمونها العقول او النفوس. وتتحكم هذه العقول التي هي محركة للافلاك السماوية في الخلق المادي. وترى فلسفة افلوطين ان الفيض انما يصدر اضطرارا اي غير مقترن بارادة او اختيار للذات العليا. وفي هذا شرح مبدأ الديانات متعددة الالهة التي كانت
سائدة في ذلك الزمن والمندائية تنظر للخلق على انه فيض من الذات العليا ، لكنها تشدد على انه صدر عن تلك الذات بإرادة لا تفصلها عن كل مراتب الوجود بما في ذلك العالم المادي ، الذي هو ادنى مراتب الخلق
وبين وجود جانبا من فلسفة الفيض في الفكر المندائي، الا ان المندائية تحل فكرة الفيض بنظرية التجليات
والمقصود بالتجلي هو إرادة الذات العليا في إحداث الخلق ، لكن غنى الذات العليا بوجودها المطلق هو اكبر من مدركات عالم الخلق الذي يكون مستفقرا ، لذا وجب ان تكون هناك مرتبة وسيطة يَعلم منها العالم وجود الذات من خلال صور او تجليات تتصور فيها الذات بمدركات العالم الحسي المستفقر. والذات العليا تتصرف في الخلق من خلال هذه المرتبة الوسيطة وتؤثر فيه
يتسلسل الوجود في الفكر الديني المندائي في ثلاثة مراتب
1 - الوجود المطلق وهو وجود الذات
2 - الوجود العقلي ، متمثلا بصفة الربوبية او الالوهة
3 - الوجود المادي او العياني وهو العالم
الوجود المطلق / وجود الذات
وجود الذات في المندائية وجود واجب يبتعد عنه النقاش، ذلك ان مبدأ الوجود عند المندائيين هوالذات العليا وهي الاولى التي كانت منذ الأزل. هيي هون قدمايي، هيي اد هون من لاقدمي. (الحي الأول ، الحي الذي كان منذ الأزل) . گنزا ربا يمين
ان وجود الذات ضرورة فهي المصدر، وما هيتها غير مدركة وليست عينية. في الذات تكمن الوحدة المطلقة وهذه الوحدة المطلقة تحتوي على العلم المطلق والمعرفة المطلقة. وكل ما يكمن في العالم الحسي من العلم فهو جزئي لا يرقى لذلك العلم المطلق وهو سبب جهل ماهية الذات
يشير الادب المندائي الى وجود الذات العليا في تسبيح " قدمايي نخرايي ، الاول المتفرد" ، كتاب الانياني
بشمهيون اد هيي ربي ، قدمايي ، نخرايي من المي اد نهورا ، يتيري ، اد الاوي كلهن أوبادي
بسم الحي العظيم ، الاول ، المتفرد عن عوالم النور، الغني ، المتعالي على كل العباد
اسم الحي ، صفة الاول :
 انه الوجود فبغيرأن يكون حي ليس هناك وجود. والاول هي صفة الازل التي تبعد نقاش اصل الذات ومنشأه. اد لاهوا كد اد لا هوا ، ولا هاوي كد اد لا هاوي. ( ماكان لو لا كان ولم يكن ما لم يكن ). گنزا ربا يمين
أما الوجود المطلق للذات فيتحدد بصفة المتفرد " نخرايي". فكون الشئ مطلق فهو لا يتجزأ في ذاته وهو منفصل عن اي تعلق. فهو المتنكر المتفرد عن المعقولات ( التي هي هنا المي اد نهورا ) لانها جزئية ، فهو
ليس ملزما بان يرتبط بالعالم ولكن العالم ملزم ان يرتبط به أما العالم ( المي ) والذي يأتي ذكره بعد صفة التفرد ( نخرايي ) فانه ارادة هيأ لها خيال الذات المطلق وأكمل ادراكها ( اي الارادة ) وجود العقل المطلق في الذات العليا. اذن، الحي متفرد لان العالم عنده إرادة وليس إلزام. أما العالم فهو متعلق بتلك الارادة وهو لذلك يرى ان الذات ضرورة ملزمة لأنه بدونها لا يكون. ومن هذا المنطلق فان المندائية لا تشير الى ان العالم مُـحـدث من عدم وانما هو قديم في علم الذات. وفي ذلك تشير الكنزا ربا في اجابتها على أسئلة الخليقة في الكتاب الخامس عشر، تسبيح عشرين
بشميهون اد هيي ربي
مرورب نهورا شانيا . من اد نيتي ومن اد نمرلي، من ناودَن ومن نافريشَن ، ومن اد نيتي ومن اد نيمرلًي
بارقا اد نهورا مَنو هوا؟ مَنو هوا بارقا اد نهورا؟
ومَن مِن مَن قشيش؟ وماهو قودامه؟
مَن ميدا يادي؟
_ هيي يادي ، ومشايلي ميدا يادي
بسم الحي العظيم، معظم هو النور السني
من يأتي ومن يقول لي ، من يعلمني ومن يشرح لي. من يأتي ومن يقول لي:
في ارض النور من كان؟ من كان في ارض النور؟
مَن اقدم مِن مَن؟ ومن هو اسبق؟
من يعلم احسن العلم؟
الحي يعرف ولا يحتاج ان تسأل من احسن العلم
اذن فالعلم عند الحي ( يمثل الذات عند المندائيين ) منذ الازل ، وفي علمه كان العالم . والعلم وجود مطلق
عند الحي في إحداث العالم إرادة للذات ان ترى نفسها في صورة غيرية فاعلة ، تنبعث منها جزيئيات لمكنوناتها الكلية. إرادة الذات الخروج بصورة غيرية مرتبطة مع علمها بصفة من صفات وجودها المطلق
وهي صفة الاستغناء في الذات العليا استغناء ذاتي ( راجع بوثة قدمايي نخرايي ) يتجسد في صفة " يتيري" ، اما العالم فهو نقيض هذه الصفة وبذلك فهو الاستفقار والذات في علمها المطلق ( ميدا يادي ) تعلم نفسها غنية
وعلمها بالعالم مسبقا يُعلمها ان العالم ذو صفة استفقار. وهي في احداث العالم تريد ان تنظر اليها الجزئيات المتكونة من الكلية بصور تكون على مستوى ادراك تلك الجزئيات والا فقدت الذات تأثيرها على الخلق. ومثال فرق الغنى عن الاستفقارهو ان الفقير لا يعلم غنى الغني الا بصفات لا يجدها عنده او بصفات تشبع فقره خياليا. وهكذا يتصور العالم الحسي الذات العليا في صور يمكنه ادراكها وتصل به الى اقصى مراحل
خياله من هذا تتبنى المندائية فكرة الوسيط المتمثل بالوجود العقلي، وهي حلقة الوصل ما بين الاستغناء والاستفقار. وفكرة الوسيط ترتكز على ما يسمى بالتجليات "فرونايي" أو الإحداثات. والتجليات هنا هي الصور المدركة (التعليمية) للعالم او الواقعة في مستوى تصوره والتي تشبع فقره وتكون هذه التجليات أداة
الوسيط التي من خلالها تؤثر الذات في إحداث العالم دون ان تنزل عن مرتبة الاستغناء التي هي فيها.ومن جانب اخر فهي توفر الادراك الذي من خلاله يتعرف العالم الى وجود الذات وليس ماهيتها
 
الفرونايي في النص الديني المندائي
 
يتبر كتاب " الاسئلة " اد ترسر الفا شُيالي هو المصدر الاساس في سرد قصة التجليات. وكون ان هذا الكتاب هو صفة البحث عن المعرفة الالهية في تشريع امور العالم الحسي، فانه دليل اخر على ان التجليات هنا هي الوسيط المعرفي بين استغناء الذات بالعلم المطلق واستفقار العالم الحسي في بحثه عن معرفة الذات
آثرنا ان نبتعد في الوصف الشعري او النصي للفرونايي في الادب المندائي واعتمدنا في هذه الدراسة على بدء التجليات منذ اليوم الاول
امنطول اد يوما قدمايا لملكا اد ملكي وابوهُن اد كلهن المي، بگوه اد هو ربا وايلايا بگوه اصطرَر. يوما تنيانا اد مارا اد ربوتا ايلايتا بگوه اصطرَر. يوما تلِتايا اد مارا اد ربوتا اد هو مندا اد هيي بگوه اصطرَر. يوما اربيايا اد مارا اد ربوتا اد هو دموت كشطا بگوه اصطرَر. يوم همشيايا اد هو يوما دُخراني اتفلگ بگوه رهاطي اد هو مارا اد ربوتا فالگ رهاطي بگوه اصطرَر
اذ كان
 اليوم الاول: لملك الملوك واب العوالم ، به صار العظيم المتعالي .
 اليوم الثاني: لمارا اد ربوثا ايلـَيثا به تصور. اليوم الثالث لمارا اد ربوثا وهو مندا اد هيي به تصور. اليوم الرابع لمارا اد ربوثا وهو دموث كشطا به تصور. اليوم الخامس وهو يوم الذكرى توزعت في الجداول والمياه وفيه صار مارا اد ربوثا موزع الجداول
دلالات لغوية في السرد الادبي للفرونايي
في خضم السرد الادبي للإحداث بالتجلي في كتاب " الاسئلة " يجب التوقف عند بعض الاصطلاحات ومدلولاتها
1 - مصطلح " يوما" اي "يوم" في اللغة المندائية. وجود هذا المصطلح يثير السؤال :
 هل هناك تدرج زماني ؟ وهل ان " يوما " هي اشارة للزمان ؟
الاجابة تستند الى نقطتين اساسيتين
النقطة الاولى: ان وجود عبارة يوم هي استدراك عقلي وليس حسي لمراحل التجلي. فالقصد هنا هو ان التجليات لم تأتِ متداخلة ببعضها وانما تباعا. وبناء على هذا تأتي لهذه الايام صفات الاعداد الترتيبية وليس الارقام في وصف ترتيبها وتسلسلها
النقطة الثانية: تفيد الى ان الزمان أ ُحدث في إحداث العالم وأول اشكال الزمان المكتملة عند المندائيين هو
اليوم فالزمان يُعرّف على انه الحركة ومنه تقاس متغيرات العالم. والمتغيرات طرأت في الإحداث او التجلي، لذا فان الزمان متأخر عن وجود العالم وانما صار بمفعول المتغيرات. وفي هذا يقول معلم الفلسفة ارسطو:
 " لا يخلق العالم في زمان "
المندائية تقابل فكرة ارسطو بان الزمان مخلوق في العالم ببدء حركته، وهذا ما نستمده من النص المندائي
" بهناتا همشا يومي اصطًرَنون تلاتما وشتين يومي اد شيتا. في تلك الايام الخمسة تشكلت الثلاثمائة وستون أيام السنة "
2 - لم تشر النصوص الى حرف الجر "ب" الذي يعني في، انما ذكرت عبارة "بگو" اي " بداخل ". حرف الجر "ب" يشير الى تأكيد الزمنية في كيان شئ
في مصطلح " بگو " لا يعطي النص الزمن بعدا ولا تحديد متى تكونت اجزاء الفعل او كله. ومثال ذلك اننا نقول: ينمو الجنين في داخل الرحم. ونقول ايضا عملية الولادة تتم بـساعتين وليس داخل ساعتين
3 - فعل " صرر": يبتعد الفكر المندائي عن استخدام كلمات خلقية مادية مثل " هوا " صار ، " شوا " صنع، عمل
في التجليات يرد فعل: صوّر. وهذا الفعل يعطي دلالة التجلي في صور معقولة للادراك المستفقر للعلم الكامل. من جانب اخر فهو يبرز ان ماهية التجلي هي التشكل بصور، والصور لا بد لها ان تكون مشتقة من اصل
4 ربوتا : وهنا تكمن المشكلة في ان المفهوم الشائع لهذا المصطلح يأتي بمعنى " العظمة ". الا ان متتبعي الادب المندائي وخاصة في قصص الخلق يشيرون ان ورود مصطلح مارا اد ربوتا في خضم مجريات الخلق او شرح التشريعات يدل على انه سيد التعليم او التفهيم
وتسمية مارا اد ربوتا تتجسد في اي شخصية تفيد الى معرفة او تعليم. وهذا ما تشير اليه دراور في تعليقاتها على كتاب الاسئلة وكتاب ادم كسيا. اما الباحث الالماني كورت رودولف فيشير الى ان مارا اد ربوتا هي صفة لكل كيان مُعلـّم: فهناك " ياور زيوا انا هو مارا اد ربوتا" ، " انوش اثرا انا هو مارا اد ربوتا " ، " ادم سهاق ربا اد أوصره بگوه ساهدي اد هو مارا اد ربوتا افرشنون لكلهن مهياتا ،
 بمعنى : ادم سهاق ربا ، الذي فكره ثابت، وهو مارا اد ربوتا الذي شرح لكل الاحياء". واسم ادم سهاق ربا هنا حسب ما تشير دروار هو احدى مسميات ادم السماوي او النفس الكلية
وصفة مارا اد ربوتا تقترن دائما في كونها الاب المعلم
الفقرة 55 من الكتاب الاول الجزء الاول :
 شيشلام ربا من ابويه مارا اد ربوتا مَلـِل وامرله يا آب رباي
شيشلام ربا سأل ابوه مارا اد ربوتا ، تكلم وقال له: يا ابي ومعلمي
الفرة 36 من الكتاب الاول الجزء الاول :
 هيزخ مَلـِل شيشلام ربا ولمارا اد ربوتا اد نِمرله يا اب رباي ملكا اد من نفشي فرش
هكذا تكلم شيشلام ربا وقال لمارا اد ربوتا :
 يا ابي ، معلمي ، الملك الذي صار من ذاته
الفقرة 43 من الكتاب الاول للجزء الاول:
 شرح اسرار العالم وهنا السائل هو شيشلام ربا ومجيبه معلمه مارا اد بوتا. ويقول مارا اد ربوتا :
 يا بر هلن شويالي اد شايليت الاويهون انا لاب شايليته
يا بني هذه الاسئلة التي سألتها انا قد سألتها لابي
وهنا اشارة الى ان مارا اد ربوتا يحمل صفات التعليم واما علمه بالتعليم فهو يستقيه من كيان اكبر منه، يتضح له هو فقط
تجليات الوجود العقلي
اليوم الاول :
 تصدر عنه صورة الالوهية التي ترتبط بوجود المألوه. وعلاقة الاله بالمألوه هي نفس العلاقة بين الاستغناء والاستفقار. وصفات الاله هنا ظهرت في تجليه على انه العظيم "ربا "، المتعالي " ايلايا ". والمألوه هو الذي جاء في المرتبة الثانية
فـ " ملكا اد كلهن ملكي" فيها يكون الاله هو الملك وهو الوحدة المطلقة لكيان العرش اي السيطرة، اما المألوه فهو في صفة جمع لانه يسعى من خلال الكثرة الى بلوغ الوحدة المطلقة في صفة الاله. و " كلهن" تثبت على ان ماهية المألوه رغم كثرتها جزئية لانها مربوبة برب او متسيدة بسيد لا تدنو وحدته وبالتالي كيانه المهيمن
كذلك هو الحال في " ابوهن اد كلهن المي" فصفة الأب هنا هي ادراك عقلي للإحداث. فالاله ـ هنا الاب ـ يستمد وجوده من الوجود المطلق للذات، لذلك فهو وجود عقلي. ومن الوجود العقلي يصدر الوجود الحسي ـ اي العالم "المي" ـ وهو (العالم) هنا كيان الابن الذي يصدر عن الاب. والعوالم هنا رغم كثرتها "كلهن" جزئية تبحث في صفتها الجمعية عن الوحدة التي تعادل الوحدة المطلقة دون الوصول لها
وعدم الوصول للوحدة المطلقة يتجسد في صفة " الاوي" ( راجع بوثة قدمايي نخرايي ) وهي فعل الاستغناء الذاتي الذي يكون متعاليا صعب المنال على من يدنوه من مرتبة الغنى. هذه " العـلـّية " تتصل بصورة العظمة في مرحلة الوجود العقلي التي هي صورة عقلية للاستغناء تتجلى فيها الذات للعالم
اليوم الثاني :
صورة التعليم الالهي وهو ما يتجسد في كلمة " ربوتا ايلـَيتا " التي هي التعليم وصورة لوجود العلم المطلق في كينونة الذات
تلك الصورة يمكن ادراكها بالمعقولات لانها لا تمثل اصل العلم المطلق " ميدا يادوثا " ، وانما هي جزئية صادرة منه. فالتعليم يتطلب العلم بالشئ ولا يأتي التعليم الا من معلم. وعلى هذا الاساس فان الربوتا هي
التعليم المسـّلم الى المعلم، وكل معلم هو مارا اد ربوتا. والى هذا التعليم الالهي تستند المعرفة الالهية ، فما من معرفة الا بوجود تعليم. وصفة المعرفة تتجسد في صورة مندا اد هيي في :
اليوم الثالث :
صورة مندا اد هيي تمثيل لمحتوى التعليم الالهي الصادر عن العلم المطلق في كينونة الذات العليا. والمعرفة الالهية هي مجموعة الحقائق التي يتكون منها التعليم الالهي. وهي بذلك تمثل تجلي صورة المعلوم من العلم
في ذلك بيان لدور صورة مندا اد هيي كوسيط بين الذات والعالم الحسي. فهو الذي يظهر في الوحي كرسول اول ( مندا اد هيي هو شليها قدمايا ، مندا اد هيي هو الرسول الاول ). وهو الشارح والمُبسط والقائل والواعظ
 بأمر من الذات العليا ان كل هذه التشكيلات في صورة مندا اد هيي تبرز قيمة صورة المعلوم من علم الذات العليا المطلق
اليوم الرابع :
تجي صورة المـُـثــُل " دموث كشطا ". والمـُثـُل هي مرحلة اخيرة من مراحل التعليم الالهي وهي العلل القديمة او الصور العقلية لكل ما هو محسوس. من صور المـُثـُل تتفرع الكيانات الجزئية المدبرة للمادة والاجسام المحسوسة في العالم. ويتمثل نقاء الأصل في هذه المـُثـُل عن جزئياتها في العالم المحسوس في إقرانها بصفة " كشطا / الحق". وتلك هي صورة التمام من الشئ التي تشترط ان لا يشوب الاصل نقص
اليوم الخامس :
هو اداة وصل مرتبة الوجود العقلي بالعالم الحسي المادي، وهي حقيقة روحية لا مادية. تتجلى هذه الحقيقة بصورة مـُوّزع الجداول ( فالگ رهاطي ) وهي صفة تـُمنح في نصوص اخرى من كتاب ترسر الفا شُيالي
لهيبل زيوا ومرتبة هيبل زيوا تشير لها المندائية في عمليات الخلق المادي للعالم وفي اصلاح ما أفسده بثاهيل في تجبيل الارض و انشاء العالم. وهي الصورة التي جابهت الشر وجاءت في دور المخلص ، لذلك فهي
حقيقة روحية لا مادية من كل هذا الطرح وما استطعنا الوصول له في الشرح، يتبين لنا ان للفرونايي معاني فلسفية كبيرة تجسد الفكر الفلسفي المندائي ورأيه في الوجود والخلق. وقد تميزت المندائية عن كثير من الديانات في انها وضعت فكرة التجلي التي تربط بين الفلسفة والدين. وهي النقطة الاساس التي ما زالت سبب جدال الاديان الاخرى ، وخاصة الاسلام، حيث ان كثير من فلاسفة الاسلام تبنوا افكار الافلوطينية واقحموها على المبدأ الديني، مما يثير معارضة كثيرة لعدم تلاقي هذه الفلسفة كليا بالمبدأ الديني
ان الخوض في الفلسفة المندائية يتطلب الماما عميقا بكل جوانب العقيدة بالاضافة الى الالمام بافكار الفلسفة التي شاعت في مراحل زمنية مختلفة. ومحاولتي هذه هي لاستثارة البحث وتبقى المعرفة بحرا عميقا
المصادر
1 -   الگنزا ربا ، نص مندائي طبعة ايران 
 2 - ترسر الفا شُيالي ، ترجمة الليدي دراور مع النص المندائي
3 -  النياني ، ترجمة الاستاذ امين فعيل
4 - النشوء والخلق في النصوص المندائية , كورت رودولف ( نسخة المانية )
5 - القاموس المندائي ، مندائي انكليزي ، الليدي دراور و رودولف ماتسوخ
6 - قواعد اللغة المندائية ، ثيودر نولدكة (نسخة المانية) 
 7 -  فلسفة التأويل ، محي الدين بن عربي  
 
 اسامة قيس مغشغش