ذكرى شوشيان .. خلق الأثيري يوشامن / أسامة قيس مغشغش

                                                                                                                    

ذكرى شوشيان ..

 
خلق الأثيري يوشامن
عـُرف عن المندائيين إبتعادهم عن كتابة التاريخ وتوثيقهم لمراحل زمنية عاشوا بها، غير أنهم متصلون جدا ً بحساب الوقت ومعرفة التأثيرات الحياتية المرتبطة بحركة الزمان. ليس هذا فحسب ، بل ان الزمن يعتبر عنصرا ً مهما ً ضمن المعتقدات المندائية وبالأخص في تداخله مع الخليقة. ينقسم التقويم المندائي الى أربعة فصول، ويـُرجع المندائيون كل فصل لمناسبة دينية معينة. وقد أختلف المندائيون عن أقوام مجاورة لهم بربط مناسباتهم الدينية بحدث يتعلق بمرحلة من مراحل الخليقة وهم بذلك لا يرتبطون بأي مناسبة دنيوية كمواسم الحصاد عند اليهود أو إرتباطها بشخصية معينة كما في المسيحية والإسلام. يعتمد المندائيون في تصورهم للخليقة الكبرى على نموذج خلق الإنسان كخليقة صغرى بحسب المراحل بدءً من تجسد الدبيب فالنمو فالولادة ثم صرخة الحياة. هكذا العيد الكبير " دهبا ربا " رأس التقويم المندائي والذي يرمز الى أولى مراحل التكوين بتكون النطفة في الرحم ، وفي الشهر الرابع[1] حيث يكتمل تشكيل كامل جسد الجنين يكون العيد الصغير " دهبا هنينا " رمزا لذلك الإكتمال، وهنا تتقابل قصة نزول الأثيري هيبل زيوا الى عالم الظلام وتهئية الارض مع إكتمال تكون الجنين وبداية حركته. ثم تأتي أيام " الفرونايي " في الشهر التاسع معبرة عن إكتمال التكوين والولادة، يليها " دهبا إد دايما " في الشهر العاشر حيث يكون اكتساب الاسم والرسم بأول صباغة بعد ثلاثين يوما من الولادة.
 دهبا ربا / نوروز ربا  لست هنا بصدد الخوض في تفاصيل الطقوس الدينية الخاصة بمناسبة " دهبا ربا "، بل قصدت الأشارة الى الفكرة الدينية التي تستند إليها هذه المناسبة. يشير كتاب الاسئلة " ترسر الفا شيالي " في الفقرة 12 للجزء الثالث من الكتاب الاول الى أن مناسبة الدهبا ربا هي ذكرى بداية الخلق :- " يوما اد نوروز ربا اد هو ريشا اد بنيانا " ،
 بمعنى :- يوم نوروز ربا الذي هو رأس الخليقة. وفي اشارة اخرى يرد ان هذا اليوم هو ذكرى تجلي الذات العليا بهيئة " مانا ربا كبيرا ": " ويوما اد دهبا نوروز ربا ليلا وأوماما اد دهبا وليلا اد باترا اصطرر بگوه ( بگويهون ) مانا ربا كبيرا اد هو يوما طابا " ،
 بمعنى :-  وفي ليلة عيد نوروز ربا وفي اليوم والليلة التي بعده صار بها (بهن) مانا ربا كبيرا وهو يوم طيب/ سعيد. (الفقرة 15 من الجزء الثالث للكتاب الثاني) لقد ذهب البعض في تفسيراتهم لمناسبة دهبا ربا على أنها مناسبة خلق الأرض والعالم المادي، غير أن النص الديني يشير الى عكس ذلك. فالمعروف عن الفكر المندائي أنه فكر روحاني يبتعد عن الدنيوية وحقيقة أن هذه المناسبة هي بداية السنة عند المندائيين إشارة واضحة الى أنها مرتبطة بخلق العالم العلوي. فالعالم العلوي خـُلق حسب النظرية المندائية قبل العالم الارضي ، لذا فانه حري بالمندائيين وعقيدتهم إعتماد هذه المناسبة كبداية للتقويم سيما وإننا قد بينا آنفا ً إعتماد المندائيين لمناسبات الخليقة في أعيادهم. أما الاشارة الثانية لكون هذه المناسبة هي ذكرى الخلق العلوي تكمن في التطابق بين إشارات الگنزا ربا في قصة التكوين مع ما جاء في ما أشرنا اليه في الفقرة 15 من الجزء الثالث للكتاب الثاني في ترسر الفا شيالي، إذ يتفق المصدران على ان مـُحدِث التكوين هو مانا ربا. ترد الإشارة في قصة التكوين في الگنزا ربا الى أن كيان الذات العليا "هيي" قد تقـّوم بهيئة مانا ربا وطلب الى نفسه طلبا ً، فكان منه الخلق متمثلا ً بخلق الحياة الثانية :- " وقاييم هيي نفشيهون بدمو مانا ربا (...) وبون بوتا إل نفشيهون، إبّوتا قدمايتا هوا اترا مقيما اد هيي قريوي هيي تنياني" ،
 بمعنى :- الحي تقوم بهئية مانا ربا (...) وطلب طلبا لنفسه ، بالطلب الاول صار اثيري مقوم دعاه الحي بالحياة الثانية. وقد أختلفت الترجمات والتفسيرات على معنى كلمة مانا في النصوص المندائية. فالبعض فسّرها على أنها تعني " الوعاء " والبعض الآخر يفسرها بمعنى " العقل " وكثيرون تجاوزوا ترجمة هذه الكلمة. فيما يلي أستعراض سريع لأراء الباحثين في معنى كلمة مانا: يرى هوفمان وباليس الى ان معنى مانا هو "الكساء". ويقول براندت انها غالبا ما تعني "اناء" او "اداة" ، اما نولدكة فيشير الى أن أصل الكلمة فارسي بمعنى "القلب" او "الروح". ويشار الى أن دراور قد ترجمت الكلمة على أنها "الروح". وفي تفسير حديث يشير الدكتور قيس مغشغش السعدي في كتابه معجم المفردات المندائية في اللهجة العامية العراقية الى أن كلمة مانا تتكون من مقطعين أساسيين هما: ما + نا. ويشير الدكتور السعدي الى أن حرف الميم "يستخدم مفتوحاً ً بحركة الألف في أول الكلمات ليعني "الذي". ويتحول الفعل الذي يرتبط به الى إسم فاعل او إسم مكان، كما يأتي بمفرده قبل الفعل أيضا ً ليكون إسم آلة كما في اللغة العربية". ويورد الدكتور السعدي أمثلة كثيرة لهكذا إستخدام مثل: مارا= "ما" بمعنى "الذي" والفعل "را ا" بمعنى الرعاية والعناية. فصارت الكلمة بمعنى الرب او السيد. كذلك في الكلمة "ماربا"/ رحم = "ما" هنا دلالة اسم مكان وفعل "ربا" بمعنى يكبر وينمو. وأيضا ً نجد كلمة "مـَشطا"/ مشط وهي مكونة من "ما" و الفعل "شطا" بمعنى ينبسط وينسرح. وهنالك أمثلة عديدة يمكن الرجوع إليها ضمن إستخدامات "ما" للاشارة الى إسم الآلة او المكان في اللغة المندائية. إذن للـ "مانا" معانٍ مختلفة بحسب الورود وسياق النص، فهي "الأداة" وهي "المحرّك" وهي "العقل" وهي "الروح". وهي في نصوص الخليقة تجمع ما بين معاني "الاداة" و "العقل". ويمكن أن نفسر هاتين الصفتين وإجتماعهما في معنى كلمة الضمير. فالضمير هو السر والباطن في الشئ. والضمير هو حلقة الوصل ما بين العقل والكيان او الروح ، وينتج عن تقابل الشيئين الفعل. وهنا يكمن التعبير الخلقي في الگنزا ربا في ان كينونة الحي تقومت بهيئة المانا / الضمير، أي ارادت تعقل نفسها فنتج عن ذاك التعقل صدور الحياة الثانية / يوشامن. كلا القصتين تتفقان على أن الخليقة صارت بالمانا وليس من المانا، أي أن المانا هي أداة الخلق الفعالة والمحرّكة. وتضفي النصوص صفتي العظمة والكـِبـَر لهذه المانا لتميزها عن سائر ذكر الـ "مانات" الأخرى ولإرتباط "مانا ربا" او "مانا ربا كبيرا" بحضرة الذات العليا ، الحي. وجدير بالذكر أن المندائيين لا يحتفلون في مناسبة العيد الكبير بخلق الخالق لنفسه ، ففي ذلك معارضة لفلسفة الدين في أن الذات العليا هي قبل الزمان ووجودها أقدم وسابق لكل مدركات العقل. أما مانا ربا (كبيرا) فهو صار من الحي ، وذلك ما يرد واضحا ً في الفعل "اصطرر". فقد سبق وأن شرحنا معناه في موضوع "الفرونايي وفلسفة التكوين" وهو يرد بمعنى : تصور أو صار. نستخلص مما سبق أن مناسبة الدهبا ربا هي إستذكار لبداية خلق العالم العلوي. إن بداية خلق العالم العلوي تستند إلى فكرة تعقل الذات العليا "الحي" لنفسه فصار منه المانا ، وبالمانا صار الخلق. فالمناسبة تستذكر صيرورة المانا ربا وبدء العالم بخلقه او بمعنى اخر إحداث الخلق منه. يوم شوشيان ما يميز بدء التقويم المندائي هو وجود مناسبتين دينيتين تسبق فيها ذكرى الخلق العلوي مناسبة "شوشيان" بستة ايام. ويطلق على مناسبة شوشيان أيضا ً إسم رأس السنة الصغيرة ، وهي أيضا ً مناسبة لإستذكار مرحلة من مراحل الخلق العلوي والذي يؤيد ما تم طرحه مسبقا فيما يخص معنى العيد الكبير. تشير الليدي دروار الى أن معنى كلمة شوشيان هو "الفرع" او "الغصن/الأجديل" وهي لا تشير الى أصل إشتقاق الكلمة من المندائية او من لغة أخرى. وفي محاولة لإشتقاق الكلمة تأسيسا على اللغة المندائية نرى أنها يمكن أن تتركب من الفعلين "شوا" بمعنى (سوى، صنع، خلق) والفعل الاخر "شنا"
بمعنى : يغير. فيكون معنى الكلمة هو إحداث التغيير. يشير كتاب الاسئلة في الفقرة 12 للجزء الثالث من الكتاب الثاني الى ان مناسبة شوشيان تمثل خلق اول اثيري في العالم العلوي: "امنطول اد يوما اد شتا بياهرا اد نوروز زوطا هو، اد هو اصطرر بگـوه هاد أترا اد مندام من ابداته لا كشرن"
 بمعنى : اليوم السادس من الشهر هو نوروز الصغير الذي به صار اثيري لم تنجح اعماله. وتأسيسا ً على نصوص الگـنزا ربا فإن من نتيجة إحداث المانا وقيامه تم خلق الاثيري الأول والذي سُمي بالحياة الثانية. وتتمثل الحياة الثانية في الفكر المندائي بكيان الأثيري يوشامن الذي يرمز الى المرحلة المتقدمة الأولى من مراحل الخلق. ومن جهة أخرى فهو يرمز الى حامل اسرار الكهنوت. وتنقسم الاشارات الادبية حول الاثيري يوشامن الى قسمين مختلفين القسم الاول يشير الى يوشامن بالمدح والتعظيم كما هو وارد في
 تسبيح القلستا :-  "سگـدنا شهبانا ومشبانا ليوشامن دخيا اد اشري إل اوصري اد ميي وإل ممبوگي روربي ايلايي اد نهورا" ، بمعنى :-  أمجّد وأعظّم وأسبّح ليوشامن الطاهر، القائم على منابع مياه النور العظيمة. وفي إشارة أخرى في القلستا يرد :-  " مشبيت اب يوشامن دخيا بر نيصبتون اد هيي"،
 بمعنى :-  اسبحك ابي يوشامن الطاهر، يا بن التكوين الذي من الحي كان. ومن جانب آخر فان نصوص الخليقة المندائية تتحدث عن يوشامن كأثيري متمرد ،عصى أوامر الحي بعدما اراد ان يخلق عالما ًخاصا ً به. لقد أحدث هذا التمرد إرباكا ً في سلسلة الخليقة مما أدى الى إحداث نزعة الأنانية بين درجات العالم النوراني. لهذا السبب تتحدث الادبيات المندائية عن عقاب يوشامن وحبسه بين حدود المياه النورانية والارض الدنيوية تيبل. يجسد يوشامن جلاء أسرار الحي العظيم، هذا ما تشير اليه النصوص المندائية : " يوشامن گلا رازا اد ربي"
بمعنى :- يوشامن أوضح سر العظيم. وهنا يتضح الترابط بين قيمة يوم شوشيان ودور يوشامن في جلاء اسرار الحي. وفي هذا الخصوص يشير كتاب الاسئلة في الفقرتين 92 و 100 للجزء الثالث من الكتاب الثاني الى أن الأيام السبعة الاولى في السنة هي رمز لأسرار الخليقة: " هلن شبا يومي رازي اصطرر بگويهون
 بمعنى " تلك الايام السبع صارت بها الاسرار". وأما الاشهر الاثنا عشر في السنة فهي تمثل أسرار الجسد:- " هينون لترسر ياهري ترسر رازي اد اصطونا بگويهون
 بمعنى :- تلك الاشهر الاثنا عشر التي فيها اسرار الجسد الاثنا عشر. وفي ذلك تأكيد لما أوردناه في بداية الموضوع عن إرتباط معنى المناسبات الدينية بتكوين الجنين و الخليقة وتوزيعها المقصود في اوقات معينة من السنة. وبالعودة إلى إشارة كتاب الترسر الفا شيالي عن الاثيري الذي لم تنجح أعماله، فان الليدي دروار تعقب على ترجمتها للنص الى أن المقصود هنا هو (بثاهيل) مستندة بذلك لما هو معروف عن فشل بثاهيل في خلق الارض وتهيئتها. وفي رأي الليدي دراور اختلاف كبير مع نقطتين أساسيتين في التحليل النصي للفقرة المشار إليها آنفا وهو كالاتي:
1. يمثل بثاهيل المرحلة الرابعة من تسلسل الخلق ويسمى أحيانا ً بالحياة الرابعة. وحسب ما تشير إليه المصادر المندائية فان بثاهيل سبقه خلق (أباثر) أبوه وقد سبق يوشامن خلق أباثر وهما المشار اليهما بالحياة الثانية والثالثة. وحيث ان وجود بثاهيل مسبوق بوجود أباثر ويوشامن فليس من المنطقي أن يكون خلق بثاهيل قد حدث في غضون الايام الستة الاولى للخليقة.
2. ورود كلمة "ابداته" بمعنى "اعماله" كصفة غير مباشرة لهوية الاثيري المذكور في سرد الترسر الفا شيالي. فمن خلال الرجوع الى النصوص التي تشير الى يوشامن واباثر وبثاهيل تبين لنا ان ورود هذه الكلمة مقترن بالاشارة الى كيان الاثيري يوشامن. وفي ما يلي أمثلة لبعض النصوص التي وردت فيها الكلمة: * " قم نيزل إل كيف بيتا اد يوشامن وإل ابيداته اد هسير ابد"،
 بمعنى :- قم نذهب الى مقام يوشامن وللاعمال التي عملها الخاطئ. * " إل ماهو قرالك ملكا اد نهورا وملكا باير شوياك اد مسگيت لبيت يوشامن ولا متقنلتون لابداته من ريش بريش نهوي"  بمعنى : لماذا خلقك ملك النور وسواك ملكا في الاثير؟ حيث لا ذهبت لمقام يوشامن ولا اتقنت له اعماله من البداية الى النهاية. وفي كتاب دراشا اد يهيا ترد الاشارات: * " كد هازن امر يوشامن ، هيّي ربي إيدا وامر إكسي إل إبداتا اد يوشامن هسرانا" ،
 بمعنى : حالما انهى يوشامن كلامه قال الحي العظيم: لتحجب اعمال يوشامن. ان يوشامن اصبح من الخاسرين. * "اد لا تراص لقالا ربا ورميبه بأمروم تيگرا هسرينون إل ابيداتا اد هوا متاقنا" ،
 بمعنى : لم أصغ الى الصوت العظيم.. أثرت صراعا شديدا ، وجعلتهم يفقدون الاعمال المتقنة. وفي تسبيح آخر يخاطب انصاب زيوا يوشامن ويقول له: " واهريبت ابداتا اد هوا متقنن" ، بمعنى: وافشلت الاعمال التي اصبحت كاملة.
3. ورود الفعل "اصطرر" وهو ما يشير الى خلق يوشامن وليس بثاهيل. اذ يشير الباحث الالماني كورت رودلف في كتابه "الألوهة والنشوء والخلق في النصوص المندائية" الى أن إستخدام الأفعال مثل " قرا ، نصب، صرر" بمعنى "نادى ، نصب، صور/ خلق" مرتبط دائما بالخلق العلوي، اما الافعال "مسا، نگد" بمعنى "كثف ، نجد" فهي تشير الى الخلق الدنيوي او الأرضي والتي تكون غالبا ً مقترنة بشخصية وأفعال بثاهيل وهيبل زيوا. نستخلص مما سبق طرحه أن اليوم السادس هو ذكرى خلق الاثيري يوشامن والذي يرمز الى الحياة الثانية. إان هذا الاستنتاج مبني على مقارنة نصوص الگنزا ربا مع الترسر الفا شيالي. كما ان متابعة النصوص الدينية التي يرد فيها ذكر الاثيري يوشامن تشير الى ارتباط هذه المناسبة وصفة الاثيري الذي لم تنجح اعماله بكيان الاثيري يوشامن. رمزية إكليل الصفصاف من شعائر يوم شوشيان وضع إكليل من شجرة الصفصاف (كليلا اد هلفا) على أبواب البيوت تبركاً بهذه المناسبة. إذ يُجدل هذا الاكليل من قبل رجال الدين وتقرأ عليه صلاة خاصة ورد ذكرها في كتاب الادعية الإنياني: " بشما اد هيي ربي . انهر گوفني بگو ميي واتقييم كبيري بيردنا. نگبي اناتون راوزي. شگندي لهاخا ايتلخون يهبنلخون لاتري صَگيي. گدللخون ومَتـَنلخون ببابا اد هيلبونا كد اد اسا اد مربا يانقي گدللخون ومَتـَنلخون الما لگمصات المي. بريخنخون يردنا ساگي، بريخنخون مصبوتا اد لا باطلا من ريش بريش" بمعنى , بسم الحي العظيم. أنارت الكروم بالمياه وتقومت العظائم في اليردنا. اصطفتكم الرسل ايتها الاغصان المبتهجة و منحتكم للاثيريين ليجدلوكم وليثبتوكم على ابواب المساكن كما شجرة الآس ، مربية الاطفال، جدلوكم وثبتوكم حتى نهاية العوالم، وبارككم اليردنا الواسع وباركتكم الصباغة التي لاتزول من البداية وحتى النهاية.
تذكر نصوص الترسر الفا شيالي في الفقرة 91 للجزء الثالث من الكتاب الثاني الى أن إكليل الصفصاف يرمز الى القلب وأن البيت يرمز الى الجسد:
" امنطول اد نشمثا وكليلا لبا هو، امنطول هلبونا اصطونا هو"، بمعنى: ان النفس والاكليل هو القلب ، وان البيت هو الجسد.
إن الفكرة الدينية من إكليل الصفصاف تجسد بث الحياة في جسد الجنين وتقابلها بخلق اول الكائنات النورانية في العالم العلوي والذي تجسدت من خلاله القدرة الالهية على الخلق. ففي الاسبوع الاول من مراحل تكون الجنين تتكون ما تسمى بالمـُضغة وهي كتلة من الخلايا الصغيرة، وهي اولى اشارات الحياة في جسد الجنين. إذن فالاكليل هو رمز بداية جديدة وحياة جديدة تـُبث في هيكل البيت الذي يُرمز إليه على أنه الجسد.  
وتجدر الإشارة الى أن شجر الصفصاف معروف عند الأقدمين كرمز للسعادة والإبتهاج ويُـجدل منه أكاليل تستخدم في إجراءات وشعائر معينة. فقد ورد ذكر نبات الصفصاف في مخطوطات سومرية وفرعونية قديمة ويوجد 350 فصيلة من الصفصاف في أنحاء كثيرة من العالم. ومن مميزات هذه الشجرة أنها تنمو بقرب الماء كما أن أوراقها تستخدم لتخفيف الألم والحُمَّى.  
Salix babylonica من انواع الصفصاف فصيلة تـُعرف بـ
وتترجم على أنها زهر الصفصاف البابلي او الصفصاف الباكي، حيث يشار الى أنه كان ينمو على ضفاف دجلة والفرات وهو أكثر الأصناف شيوعا ً وتميزا ً بفروعه الطويلة المتدلية.
وقد عـُرف عن الإغريق إستخدامهم للصفصاف كرمز للخصوبة وكانوا يضعون أغصان الصفصاف تحت فراش النساء العواقر أملا ً في أن تساعدهم قدرة الصفصاف على الإنجاب.
ونبات الصفصاف مقدس عند اليهود وهم يستخدمونه في طقوسهم الدينية وخاصة في إحياء ذكرى ما يسمى لديهم بعيد المظال او عيد السلام والبهجة. ويرمز الصفصاف عند اليهود الى البهجة والفرح ، إذ تشير نصوص التوراة الى قيمته مع نباتات اخرى كالاس وسعف النخيل:
﴿وَخذوا لَكُم فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ، مِنْ تَمْرِ شَجَرِ الْأَتْرَنْجِ، وَمِنْ لُبِّ النَّخْلِ، وَمِنْ أَغْصَانَ عُودِ الْآسِ عَلَى صَنْعَةِ الضَّفْر، وَمِنْ غَرَبِ الْوَادِي، وَأَفْرَحُوا بِهَا بِيْنَ يَدِيِ اللهِ رَبِّكُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ﴾ (اللاويين ٢٣ : ٤٠ ترجمة كتاب التاج).  
أما المندائيون فهم يرون في نبات الصفصاف ( الغـَرَب) رمزا ً للفرح والسعادة وهم من جانب ثانٍ يرمزون له بنبات الحياة الذي يقترن بصورة القلب الذي يتكون في جسد الإنسان في أولى مراحل الخليقة. والرمزية في المعتقد المندائي مستندة الى ما هو متوارث عن نبات الصفصاف في بلاد الرافيدن. فمعروف عن شجر الصفصاف أنه "يصفق" حين تهب الريح إشارة الى صوت الحفيف الذي تصدره فروع الصفصاف الطويلة عندما تصدمها الرياح.
تتفق رمزية الصفصاف المندائية في كونها إشارة الى الحياة مع ما هو معروف وما تم إكتشافه من فوائد الصفصاف الصحية. فقد توصل العالِم اليوناني أبوقراط الى أن مضغ أوراق الصفصاف يخفف الشعور بالألم. واكتشف العالم الالماني فيليكس هوفمان اهمية الصفصاف فأنتج الدواء الشهير المعروف بالاسبرين لمعالجة الالام والحمى.  
نستخلص مما ورد ان رمز الصفصاف هو رمز الحياة في المعتقد المندائي ويشير الى الفرح والبهجة التي بدأت مع خلق اول اثيري كان بأمر الحي العظيم: 
"افرش لنوروز زوطا يوما اد نشمثا هادي" ، والمعنى، لقد أوضح ان يوم نوروز الصغير هو يوم تبتهج به الانفس. الفقرة 195 من الجزء الرابع للكتاب الثاني من مخطوطة ترسر الفا شيالي.   
الخلاصة:  
1. تقترن المناسبات الدينية المندائية بأحداث الخليقة ، بدءً من الخليقة السماوية وصولا ً الى الخليقة الأرضية. لا ترتبط المناسبات الدينية المندائية بأحداث مادية أو بذكرى أشخاص دنيويين معينين كما هو الحال بالنسبة لليهود والمسيحيين والمسلمين.   
2. يعتمد المندائيون في تصورهم للخليقة الكبرى على نموذج خلق الإنسان كخليقة صغرى بحسب المراحل بدءً من تجسد الدبيب فالنمو فالولادة ثم صرخة الحياة.   
3. تجسد مناسبة "دهوا ربا" أو "نوروز ربا" ذكرى الخلق العلوي وتقـّوم الذات العليا "هيي" بهيئة "مانا ربا كبيرا" ، وهي بذلك ليست مناسبة الخلق الارضي كما تذكر بعض المصادر التي تناولت الموضوع نفسه.   
4. يمثل يوم شوشيان ذكرى خلق الأثيري يوشامن وهو أول كائن نوراني صار بأمر وقدرة
الذات العليا " هيي". يرد في الاشارات الأدبية لهذه المناسبة أنها استذكار لخلق الأثيري الذي لم تنجح أعماله، وتلك هي نفس الصفة التي يرد ذكرها في نصوص مندائية اخرى مقترنة بكيان الأثيري يوشامن أو الحياة الثانية.   
5. يرمز اكليل الصفصاف في المعتقد المندائي الى القلب الذي يزرع في هيكل الجسم، أما نبات الصفصاف فهو يرمز الى السعادة والبهجة . إن الفكرة الدينية من إكليل الصفصاف تجسد بث الحياة في جسد الجنين وتقابلها بخلق اول الكائنات النورانية في العالم العلوي والذي تجسدت من خلاله القدرة الالهية على الخلق. ففي الاسبوع الاول من مراحل تكون الجنين تتكون ما تسمى بالمـُضغة وهي كتلة من الخلايا الصغيرة، وهي اولى اشارات الحياة في جسد الجنين. إذن فالاكليل هو رمز بداية جديدة وحياة جديدة تـُبث في هيكل البيت الذي يُرمز إليه على أنه الجسد.
المصادر :   
كتاب گنزا ربا ـ مصدر مندائي  
ديوان اد ترسر الفا شيالي ـ الليدي دراور ـ ترجمة انكليزية و لفظ لاتيني للنص المندائي   
كتاب الصابئة المندائيون ـ الليدي دراور / ترجمة غضبان رومي و نعيم بدوي ـ مصدر عربي  
معجم المفردات المندائية في اللهجة العامية العراقية ـ د. قيس مغشغش السعدي   
Theogonie, Kosmogonie und Anthropogonie in den mandäischen Schriften كتاب الألوهة والنشوء والخلق في النصوص المندائية ـ أ. د. كورت رودلف ـ مصدر ألماني  
[1] حساب الاشهر هنا على حسب التسلسل في التقويم المندائي
 
 أسامة قيس مغشغش